ماهين شيخاني
اثر حملة أمنية واسعة بسبب موقفهم السلبي من الوحدة السورية ـ المصرية، اعتقل قيادة الحزب في آب (1960) وحدث في السجن اختلاف في وجهات الرأي، حول الأسئلة التي وجهت إليهم من قبل قاضي التحقيق العسكري، فيما إذا كانوا جمعية أو حزب، وتزعم كل من الدكتور زازا، وعثمان صبري طرفي الخلاف، مما أدى إلى حدوث انشقاق في الحزب في 5 آب 1965، إلى تيارين متخاصمين باسم اليسار واليمين. ومع أن كل طرف من طرفي الانشقاق، ادعى انه يمثل وجهة نظر أحد قطبي الحزب السابقين.
لقد دفعت الصدمة التي نجمت عن انشقاق الحزب، الى مطالبة البارزاني الخالد من طرفي النزاع الى الحضور الى منطقة نوبردان بكوردستان العراق في سنة 1970، وهو قائد يحظى بالشعبية الطاغية بين الكورد السوريين، وكذلك دعا عددا من المستقلين الوطنيين، بغية توحيد الحزب، وعلى الرغم من ان (اليسار) و(اليمين)، اتفقا على مبدأ الوحدة، إلا أنهما تفرقا، الأمر الذي دفع الأكثرية، للامتثال لمبدأ الوحدة، وأطلقت عليهم تسمية (القيادة المرحلية) بزعامة دهام ميرو ورفاقه المؤمنين بنهج وحدة الكورد.
شهد (البارتي) منذ انعقاد المؤتمر الوطني التوحيدي الأول في آب 1970، برعاية البارزاني بمنطقة نوبردان، إلى وقت انعقاد المؤتمر الحزبي الثاني 1972، سلسلة من الأزمات السياسية والتنظيمية والهزات العميقة، وهنا لابد أن نشير أن الموضوع يحتاج إلى صفحات ولكن تلك الظروف غير الطبيعية، كانت بمثابة إرهاصات لابد منها، ليكتمل صمود الحزب، وليتخلص من الشوائب التي كانت تؤثر على بنيته وتمنعه من أن يلعب الدور المرجو منه، و كان جلياً أن الحزب بدأ باستقطاب الإقبال الجماهيري الواسع، على العكس من تياري (اليسار) و(اليمين) اللذان تلقيا ضربات موجعة في حجم التأييد الشعبي لهما، وأصبحت شرائح كثيرة من أبناء الشعب الكوردي، تنظر إلى قيادة كل من التيارين، نظرة القيادات الباحثة عن مصالحها الحزبية الضيقة، وضرب تجربة الوحدة عرض الحائط، على العكس من تيار (الوطنيين الكورد) الذين أصبحوا نواة (البارتي) وقوته الفاعلة على الساحة الكوردية في سوريا، باعتباره الوحيد الذي امتثل لمبادئ الوحدة.
والتزمت قيادة الحزب القيام بما يتطلبه الوضع الكوردي في سوريا من المتطلبات السياسية، ومن اجل ذلك عقدت العديد من الاجتماعات الحزبية والندوات الجماهيرية، متأثرين في ذلك بما كانت يتطلبه الوضع من الضرورات الملحة، وهي أمور في مجملها كانت تقلق الأجهزة الأمنية السورية، وما كانت تطيق أن ترى (البارتي) يحظى بالشعبية ويعيد ألقه السابق، وأن يتمتع قادته بالاحترام والمكانة اللائقة في قلوب أبناء شعبهم، ولوضع حد لذلك ، بادرت إلى اعتقال سكرتير الحزب دهام ميرو مع عدد آخر من أعضاء القيادة والشخصيات القومية المؤيدة للحزب في31 تموز بسبب إصدار الحزب بيان عن إجراءات الحكومة لتنفيذ خطوات مشروع الحزام العربي في المناطق الكوردية 1973 ، ولأن تلك الخطوة، كانت جرس إنذار نبهت مجمل تيارات الحركة القومية الكوردستانية، والتي رأت فيه عملاً وإجراءً تعسفياً، يهدف إلى النيل من طليعة الحركة القومية الكوردية في سوريا، وفي ذاك الإطار المؤيد المساند، جاء في العدد (19)، لسنة 1973 من مجلة الكادر الخاصة بالحزب الديمقراطي الكوردستاني في العراق-(البارتي)، إن السلطات السورية ألقت القبض على سكرتير (البارتي) دهام ميرو، وأعضاء القيادة: محمد نذير مصطفى، كنعان عكيد، خالد مشايخ، عبد الله ملا علي، ومحمد فخري وإنهم لا يزالون رهن الاعتقال، وإن (البارتي) في العراق يرفض مثل تلك الممارسات والأساليب.
شعر أبناء الشعب الكوردي في سوريا باهتمام بالغ، في ما بدا أنه تكرار لتجربة اعتقال قادة حركته القومية في آب1960 القاسية، وسرعان ما بدا جلياً للعيان، أن رجلاً واحداً بإمكانه إدارة دفة الأمور في الحزب، كان ذاك الشخص العضو القيادي المثقف عبد الحميد السينو (1940-1984) ومن اجل ذلك انتخب سكرتيراً، حيث استطاع تثبيت وتأسيس دعائم الحزب ببقائه أميناً لمبادئ وتعاليم الحزب في تلك الظروف البالغة التعقيد، إلا أنه اعتقل هو الآخر في خريف 1975.
هو عبد الحميد السينو؟
الراحل عبد الحميد السينو عام تولد 1940 من قرية كركوند التابعة لناحية الدرباسية، هو سليل عائلة وطنية تشهد لهم التاريخ والشعب بحبهم لقوميتهم وكان من الذين جسدوا في شخصيتهم وعملهم تلك المبادئ السامية في العمل الحزبي والوطني والقومي، نهل من ينبوع المبادئ الوطنية والقومية في بيئة عرفت كيف تحافظ على تواصلها مع حركة شعب مضطهد تطالب بأبسط الحقوق الإنسانية.
حيث انتسب عبد الحميد إلى صفوف الحزب الديمقراطي الكوردي في سوريا (البارتي) في أواخر الخمسينات، وهو لا يزال طالباً لم يتم المرحلة الثانوية، ناضل إلى جانب رفاقه الأوائل جنباً إلى جنب في مرحلة دقيقة وصعبة من النضال السياسي الكوردي المنظم في سوريا. نال الشهادة الثانوية في بداية الستينات، وانتسب إلى كلية الحقوق في جامعة حلب، وفي تلك الفترة وعند تعرض الحزب للملاحقة الأمنية وسجن بعض قادته، كان هو من ضمن الذين لوحقوا. وفي عام 1963 توجه إلى أوربا (فرنسا) لينتسب إلى كلية العلوم السياسية والاقتصادية، حيث بدأت مرحلة جديدة في حياته النضالية.
في فرنسا تواصل مع حركة الشعب الكوردي، ووقف إلى جانب ثورة أيلول بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني، ورئيسه المناضل مصطفى البارزاني. تعرف على سليل العائلة البدرخانية د.كاميران بدرخان ممثل الثورة الكوردية، عمل بتوجيهات منه، و مثّل طلبة الكورد في فرنسا في مؤتمر الجمعية عام 1965. لكن لظروف اقتصادية لم يستطع إتمام الدراسة في فرنسا، توجه إلى ألمانيا الشرقية وإلى برلين تحديدا ليكمل دراسته بعد حصوله على منحة دراسية، ليبدأ مرحلة أخرى في حياته، وذلك بمعايشة نمط الحياة في المجتمع الاشتراكي.
شارك في أغلب مؤتمرات جمعية الطلبة الكورد في أوربا المنعقدة بين أعوام 1964-1970، حيث انتخب عضواً في رئاسة الجمعية لعدة سنوات. وفي هذه الفترة ناضل بثبات ضمن نهج الكوردايتي مناصراً للحق الكوردي مناصراً ومؤيداً لثورة أيلول الوطنية بقيادة البارزاني الخالد. حتى كان بيان 11 آذار التاريخي وانتصار الثورة الكوردية، الذي أنعكس ايجابياً على الوضع السياسي الكوردي في سوريا وتجسد في دمج شقي الحزب (البارتي) في المؤتمر الأول للحزب فأنتخب إلى جانب رفيقين آخرين ممثلين عن طلبة الكورد السوريين كأعضاء في ذلك المؤتمر التاريخي . عاد إلى أرض الوطن في أواخر 1971 بعد نيله الدبلوم في العلوم السياسية والاقتصادية ليكمل مشوار النضال بين صفوف الشعب الكوردي، وعلى أرض الوطن، فاختاره الحزب كمرشح له في الانتخابات الإدارة المحلية، والتي شهدت التفافا جماهيرياً حول قائمة الحزب حتى أجبرت السلطات على التدخل في الليلة الأولى ولتملأ صناديق الاقتراع بالضد من إرادة الناخبين لصالح مرشحيها.
وفي عام 1972 توجه مع رفاقه أعضاء المؤتمر الحزبي الأول للبارتي إلى كوردستان العراق حيث انتخب عضواً في اللجنة المركزية ومن ثم في المكتب السياسي. قاد الحزب مع رفاقه بجدارة، فكان عام 1973 والاعتقالات الجديدة وعلى مستوى قيادة الحزب، لتبدأ مرحلة الحياة السرية والملاحقة، فكانت صفوف الشعب خير ملاذ آمن. انتخب سكرتيراً للحزب بعد اعتقال سكرتير الحزب المناضل حج دهام ميرو عام 1973، بقي أميناً للمبادئ البارتي الوطنية والقومية في أحلك الظروف إبان نكسة آذار1975 للثورة الكوردية في كوردستان العراق، واجه وتحدى هو والبعض من رفاقه الظروف السياسية الصعبة التي واجهت الحزب والثورة الكوردية بعزيمة لا تلين، والمضي قدماً في النضال إلى أن تم اعتقاله في خريف عام 1975، وأفرج عنه وعن رفاقه عام 1980.
بعد ذلك قدم طلب العودة إلى صفوف الحزب، وهو الوحيد من بين رفاقه المعتقلين رفع طلب عودته، ليناضل ضمن صفوفه من جديد، واضعاً نفسه تحت تصرف قيادته، ولكن لظروف معينة في الحزب تم تجاهل تلك الرغبة الصادقة في العودة إلى الحزب، وبقي على عهده في الدفاع عن نهج البارتي حتى وافته المنية في /16/10/1984. وحسب بعض المصادر بسبب المادة السمية التي كانت تدس له في الطعام وهو (نوع من السموم- السيانيد) يستخرج من بذور الفاكهة وهناك نوع أشد فتكا يستخرج من اللحم المتعفن والبطاطا).