نوري جاسم
لقد شكّل التحول الرقمي في العقدين الأخيرين ثورة حقيقية في أنماط الحياة، سواء على مستوى الفرد أو الدولة. فقد انتقل الإنسان من العيش داخل إطار جغرافي ضيق إلى فضاء افتراضي واسع بلا حدود. ولم تعد الحقوق والحريات تُمارَس فقط في الميادين العامة أو عبر الصحف الورقية، بل أصبحت تُمارس يوميًا عبر الإنترنت، ومنصات التواصل، والتطبيقات الذكية، مما فرض تحديات جديدة على الفكر الدستوري التقليدي. وإن هذه التغيرات، رغم ما تقدمه من فرص لتعزيز الديمقراطية وحرية التعبير، تفتح كذلك الباب أمام انتهاكات غير مسبوقة للحقوق الأساسية، خاصة ما يتعلق بالخصوصية والبيانات الشخصية والحق في الوصول للمعلومة. من هنا تنبع أهمية إعادة بناء منظومة الحقوق والحريات من منظور رقمي، يتوافق مع العصر، ويستند إلى أسس دستورية واضحة.
التحول الرقمي وتغير طبيعة الحقوق
لقد غيّر التحول الرقمي طبيعة ممارسة الحقوق بشكل جذري. فحرية التعبير، على سبيل المثال، لم تعد مقيدة بالصحف أو الخطابات العامة، بل أصبحت أكثر اتساعًا، وتتجسد في التغريدات، التعليقات، الفيديوهات، والمشاركات الرقمية. لكن هذا الاتساع يوازيه تضييق غير محسوس يتمثل في الرقابة الرقمية، والتضليل المعلوماتي، وخوارزميات الإقصاء والتصفية. وإن الحق في الخصوصية كذلك لم يعد متعلقًا فقط بالمكان المادي أو الحياة الشخصية، بل أصبح يشمل المعلومات الرقمية التي تُجمَع عن الأفراد باستمرار. ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه المعلومات تُخزَّن وتُحلَّل وتُباع في أحيان كثيرة دون علم الأفراد أو موافقتهم، ما يستدعي تدخلًا دستوريًا لحماية هذا الجانب الحيوي.
الإطار الدستوري للحقوق الرقمية.. غياب أم قصور؟
تفتقر معظم الدساتير إلى معالجة صريحة للحقوق الرقمية. وهذا الغياب لا يعني بالضرورة إنكارها، لكنه يكشف عن قصور في فهم أن البيئة الجديدة تتطلب أدوات جديدة. وإن الاعتماد على “الحقوق التقليدية” دون تجديد لغوي أو مفاهيمي لا يكفي لضمان الحماية الفعلية للمواطن الرقمي. وان الحق في الخصوصية، مثلًا، يجب أن يُعاد تعريفه ليشمل البيانات الشخصية، وطرق معالجتها، وآليات تخزينها. وكذلك يجب إدراج مبادئ مثل “الحق في محو البيانات” أو “الحق في النسيان الرقمي”، وهي حقوق أصبحت جوهرية في العصر الرقمي لكنها لا تزال خارج نصوص معظم الدساتير. وكذلك فإن الحق في الوصول إلى الإنترنت يُطرح بقوة كحق أساسي، يُمكِّن الفرد من ممارسة حقوقه الأخرى: التعليم، العمل، المشاركة السياسية. فمن دون اتصال فعّال، تصبح هذه الحقوق شكلية، ولا تحقق الغرض منها.
نماذج مقارنة.. خطوات نحو دسترة الحقوق الرقمية
عدد من الدول والمؤسسات الإقليمية بدأت بخطوات عملية لتقنين الحقوق الرقمية داخل أطرها الدستورية أو القانونية ذات الطابع الدستوري: ففي الاتحاد الأوروبي، يشكل ميثاق الحقوق الأساسية مرجعية دستورية لحماية الحقوق الرقمية، لا سيما في ظل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) التي تُعدّ من أكثر القوانين تقدمًا في هذا المجال. وفي الهند، قضت المحكمة العليا في عام 2017 م بأن الخصوصية حق دستوري، يشمل الجوانب الرقمية منها، مما فتح الباب أمام إصلاحات تشريعية واسعة. وفي البرازيل تم اعتماد ما يُعرف بـ”قانون الإنترنت المدني”، الذي يُكرّس مبدأ حيادية الشبكة، ويمنح المستخدمين حقوقًا رقمية محمية قانونًا، تُقارب من حيث الجوهر الحماية الدستورية. وهذه التجارب تشير إلى اتجاه عالمي نحو الاعتراف بالحقوق الرقمية، سواء عبر تعديل الدساتير أو إصدار قوانين لها قوة دستورية ضمنية، وهو ما يُعدّ خطوة نحو تكريس ما يمكن تسميته بـ”الرقمنة الدستورية”.
تحديات دستورية في الأفق الرقمي
رغم هذه الخطوات، تظل التحديات كبيرة ومعقدة. من أبرزها سيطرة الشركات التكنولوجية الكبرى، حيث لم تعد الدول وحدها تتحكم في المعلومات أو في تنظيم الفضاء العام. الشركات الرقمية الكبرى باتت تمتلك أدوات تأثير تفوق قدرة بعض الدول، ما يثير تساؤلات دستورية عن كيفية فرض الرقابة أو المحاسبة عليها، وعن الدور الذي يجب أن تضطلع به الدولة لحماية المواطنين منها. الذكاء الاصطناعي والتمييز الخوارزمي: الأنظمة الذكية، التي تُستخدم في قطاعات مثل التوظيف أو العدالة أو الأمن، وقد تنطوي على تحيزات برمجية تؤدي إلى التمييز، وهو ما يمثل انتهاكًا مباشرًا لمبدأ المساواة الذي يُعدّ ركيزة دستورية، وان البيئات الافتراضية (الميتافيرس وغيرها) وهنا تبرز أسئلة مهمة تحتاج إلى إجابات دستورية من المشرع، وهي كيف يمكن حماية الحقوق داخل فضاءات غير مادية؟ وهل يجب أن يُمنح الإنسان نفس الحقوق داخل العالم الرقمي كما في العالم الواقعي؟
نحو إعادة صياغة المفهوم الدستوري للحرية والخصوصية
ينبغي أن ينتقل الفكر الدستوري من مجرد محاولة “إسقاط” المبادئ القديمة على الواقع الرقمي، إلى إعادة صياغتها من الجذور. فالحرية الرقمية لا يمكن أن تُفهم بنفس منطق حرية التنقل أو الاجتماع، كما أن الخصوصية الرقمية أكثر هشاشة وتعقيدًا من الخصوصية التقليدية. وهنا يُفترض في الدستور، بوصفه الوثيقة العليا التي تنظم العلاقة بين الدولة والفرد، أن يُواكب هذه التحولات، لا أن تتخلف عنها. وقد يكون من الأنسب أن تتضمن الدساتير فصولًا خاصة تتناول الحقوق الرقمية، أو على الأقل أن تُفسَّر المبادئ الدستورية الحالية بروح العصر، عبر اجتهاد قضائي متقدم ومتفاعل. وإن العالم الرقمي ليس فضاءً منفصلًا عن الواقع، بل هو امتداد له، وتفاعله مع الحياة اليومية للفرد يفرض على الفقه الدستوري مراجعة شاملة لمفاهيمه، ومقارباته، ونصوصه. فإذا كانت الدساتير قد وُضعت لحماية الفرد من السلطة، فإن الفرد الرقمي اليوم يواجه سلطات متعددة: الدولة، الشركات، الخوارزميات، والفضاء المفتوح. ولذلك، فإن استيعاب الحقوق الرقمية دستوريًا لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة لحماية الإنسان الحديث، الذي لم يعد يعيش فقط في المدينة، بل يعيش في الشبكة، وهنا اختم بقولي “في عصرٍ تحكمه الخوارزميات، وتُدار فيه الحريات بزرّ إغلاق، يصبح النص الدستوري غير القادر على حماية الإنسان الرقمي، وثيقةً من الماضي لا تصلح للمستقبل.”
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما …