المادة 140: حق دستوري لا يسقط بالتقادم

ملا شاخوان

تعدّ المادة 140 من الدستور العراقي لعام 2005 من أبرز المكتسبات الدستورية لشعب كوردستان، إذ جاءت لمعالجة الظلم التاريخي الذي لحق بالمناطق الكوردستانية الواقعة خارج إدارة إقليم كوردستان. ولا تمثل هذه المادة مجرد نص قانوني إجرائي، بل هي اعتراف دستوري صريح بجرائم سياسة التعريب الممنهجة التي مارستها الانظمة المتعاقبة حتى 2003.

لم تكن سياسات التعريب التي انتهجها االانظمة السابقە عشوائية أو عفوية، بل كانت جزءاً من مخطط استراتيجي ممنهج يهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للمناطق ذات الأغلبية. وتُعدّ محافظة كركوك النموذج الأبرز لهذه السياسة القسرية، حيث تعرّض مئات الآلاف من الكورد والتركمان للتهجير من منازلهم وأراضيهم، وصودرت ممتلكاتهم، ومُنعوا من العودة إليها.

تستند المادة 140 إلى آلية من ثلاث مراحل متسلسلة ومترابطة: أولاً، التطبيع، الذي يقتضي إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل تطبيق سياسات التغيير الديموغرافي القسري؛ ثانياً، إجراء إحصاء سكاني دقيق وشامل لتحديد التركيبة الفعلية للسكان؛ وثالثاً، إجراء استفتاء يُمكّن سكان هذه المناطق من تحديد مصيرهم بإرادتهم الحرة. وقد حدد الدستور موعداً نهائياً لإنجاز هذه الخطوات بنهاية 2007، إلا أن التسويف والعرقلة المتعمدة من قِبل الحكومات الاتحادية المتعاقبة حالا دون تنفيذها.

إن المادة 140 تمثل حقاً دستورياً لا يسقط بالتقادم، وهو ما أكدته المحكمة الاتحادية العليا في قرارها الصادر بتاريخ 28 تموز 2019، حيث قضت ببقاء سريان المادة وفاعليتها القانونية حتى تنفيذها كاملة. ويدحض هذا القرار القضائي المزاعم التي تقول بأن المادة فقدت مشروعيتها الدستورية بانتهاء المدة الزمنية المحددة لها.

المثير للقلق أن سياسات التعريب لم تتوقف بسقوط النظام في 2003، بل عادت بأشكال مختلفة، ولا سيما بعد أحداث عام 2017. فقد شهدت المنطقة ممارسات جديدة لتغيير التركيبة السكانية من خلال نقل القيود السكانية، وتمليك أراضٍ للوافدين الجدد، مما يشكل استمراراً لسياسات الماضي السیئة الصیت بوسائل وطرق جديدة.

إن معالجة آثار التعريب ليست مسألة دستوریة وسياسية فحسب، بل هي قضية عدالة إنسانية وتاريخية. ولا يمكن بناء عراق مستقر وديمقراطي دون إنصاف الضحايا وإعادة حقوقهم المسلوبة. وعليه، فإن تطبيق المادة 140 ليس مطلباً كوردياً فحسب، بل هو التزام دستوري ملزم على الحكومة الاتحادية. وتنص المادة 13 من الدستور على أن الدستور هو “القانون الأسمى والأعلى في العراق، ويكون ملزماً في كافة أنحائه دون استثناء”.

إن استمرار تجاهل النص الدستوري للمادة 140 يمثل انتهاكاً صارخاً للعقد الاجتماعي الذي قام عليه العراق الجديد، ويهدد أسس الشراكة الوطنية التي بُني عليها النظام السياسي بعد 2003. إن تطبيق هذه المادة ليس خياراً سياسياً قابلاً للتفاوض والمساومات، بل هو واجب دستوري وأخلاقي لا بد من الوفاء به لضمان العدالة والاستقرار في العراق.

قد يعجبك ايضا