حسين موسى
منذ فجر التاريخ، كانت لكل الشعوب لغتها، كما قال الله تعالى:
“ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم”، فاختلاف الألسن آية من آيات الله في تنوع البشرية وغناها الثقافي. منذ كان الإنسان يتكلم بالإشارة حتى أصبحت اللغات محكية بين الشعوب، كانت اللغة الكوردية موجودة، متجذّرة في أرضها منذ الإمبراطورية الميتانية حتى الإمبراطورية الميدية، إذ كان شعوب المنطقة يتحدثون بها ويدوّنون بها تراثهم وفكرهم.
ومع دخول العالم عصرًا جديدًا، وهو عصر الإسلام، اكتسبت اللغة العربية مكانة مميزة بين لغات المنطقة، ما أثّر على اللغات القديمة مثل السريانية والآشورية والكوردية. ورغم أن اللغة السريانية لم تُحرَم من التعليم في البلدان التي سكنتها، فإن اللغة الكوردية تعرّضت لمحاولات ممنهجة للمحو والإقصاء من قبل الأنظمة التي منعت تدريسها واستخدامها في الحياة العامة.
ومع ذلك، بقيت اللغة الكوردية حيّة رغم النسيان، تُنقل من جيل إلى جيل عبر صدور الأمهات والآباء، وتُحيا في قصائد الشعراء وأقلام الأدباء، لتبقى هويةً ولسانًا للشعب الكوردي إلى يومنا هذا. فاللغة الكوردية لغة قوية وغنية بلهجاتها ومفرداتها الدقيقة، وقد تم تصنيفها ضمن المرتبة الثامنة عالميًا حسب موقع ويب كاموس البريطاني للغات لعام 2023م، بعد كلٍّ من: الإنجليزية، والفرنسية، والبنغالية، والصينية، والروسية، واليونانية، والمقدونية.
وبذلك تخطّت لغات الشرق الأوسط مثل العربية والتركية والفارسية، كما احتلت المرتبة الثالثة عالميًا من حيث عدد اللهجات بعد اللغتين الكورية والفنلندية، مما يعكس تنوعها وثراءها التاريخي العميق.
وأختم بالشكر لكل من حافظ على هذه اللغة العريقة، للأمهات والآباء الذين لقّنوا أبناءهم كلماتها الأولى، وللأدباء والشعراء الذين حملوا همّها في وجدانهم، فبهم بقيت الكوردية حيّة رغم النسيان.