بين القلم والضمير… رحلة البحث عن الصوت الصادق

د. ابراهيم احمد سمو

كل صباحٍ يحمل في طيّاته أسئلة جديدة، وأفكارًا تتزاحم في ذهني حول المشهد الانتخابي القادم. كثيرون يسألونني: كيف ترى انتخابات هذه المرة؟ وأين تتجه بوصلة الحزب الديمقراطي الكوردستاني؟ ولماذا تبدو الصورة مختلفة عن كل مرة؟
أسئلة تتكرر من هنا وهناك، حتى أصبح بعض الأصدقاء يُلحّون عليّ: “لمن ستصوّت هذه المرة؟” فأجيبهم بصراحة: لم أحسم أمري بعد تجاه أي مرشح بعينه، لكنني حسمت موقفي منذ زمن بعيد تجاه الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ذاك الانتماء الذي لم يكن قرارًا عابرًا، بل قناعة راسخة لا رجعة فيها.

أما أمر المرشح، فحقًا هو أمر صعب التكهن هذه المرة. فأنا – الذي طالما رافقني القلم والضمير – أجد نفسي أمام مسؤولية أخلاقية كبرى: لمن أُعطي صوتي؟ من هو المرشح الذي سيستفيد منه الشعب حقًا؟
أنا لا أبحث عن مصلحة شخصية، فأنا مجرد فرد بسيط بين الناس، لا أملك إلا رأيي وإيماني بمبادئي. لم أحسم قراري بعد، لأنني في قراءة متأنية، أدرس المرشحين بعين الباحث لا المتعجل، وأزن الأمور بميزان العقل لا بالعاطفة.

صوتي لا يشبه أصوات أولئك الذين باعوا أصواتهم مقابل المال أو الوعود الزائفة، ولا يشبه أصوات من يزغردون في كل انتخابات دون وعيٍ بمن انتخبوا أو ماذا يمثل. أنا لست من أولئك الذين يطبلون لكل مرشح، ويجمعون حولهم الأقارب والمعارف فقط ليزيدوا من الأرقام في مزاد الأصوات.
عذرًا، لست من هذا النوع. فصوتي أمانة، والقلم الذي أحمله لا يكتب إلا ما يمليه عليه الضمير.

ورغم هذا التردد الذي يلازمني، إلا أنني أرى بوادر أمل في أحد المرشحين؛ مرشح يختلف قليلًا عن الآخرين. فهو يستشيرني في بعض القضايا، يناقشني في كل خطوة، ويُظهر رغبة حقيقية في الإصغاء. في بعض أفعاله أرى بصماتٍ تبعث في نفسي طمأنينة، وكأن ضميري يهمس لي: “ربما هذا هو من يستحق صوتك”.
قد يجبرني هذا الإحساس الصادق على أن أتحرك يوم الاقتراع دون تردد، ممسكًا قلمي، وأمشي بخطى واثقة نحو صندوق الاقتراع، لا من أجل المرشح ذاته فقط، بل من أجل الفكرة التي يمثلها، ومن أجل الحزب الذي آمنت به منذ بداياتي.

صحيح أن الصوت الفردي قد لا يكون ذا تأثيرٍ شعبيٍّ واسع، وقد لا يُحدث فرقًا كبيرًا في المجموع، لكني مؤمن أن القيمة الحقيقية للصوت لا تُقاس بعدده بل بنزاهته. لهذا أجد نفسي هذه المرة مترددًا، لا ضعفًا، بل لأنني أريد أن يكون قراري نابعًا من ضميرٍ نقيٍّ لا تشوبه المصلحة ولا تُغريه الدعاية.

ومع كل ذلك، أقولها بصدق: خسارة أي مرشح من مرشحي الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليست خسارة لنا، لأن وجودهم بحد ذاته في الميدان السياسي يمثل فوزًا جماعيًا للحزب وللقضية التي نحملها.
فحين يسهم كل مرشح بجمع الأصوات لصالح القائمة، وحين يتنافس الجميع بشرف من أجل هدف واحد، نكون كلنا فائزين، حتى وإن لم يفز الجميع بالمقاعد. لأن الانتصار الحقيقي هو في الحفاظ على وحدة الصف، وعلى الإيمان بالمبدأ الذي يجمعنا لا بالاسم الذي نصوّت له.

ما زال الوقت أمامي، وما زال القلم بيدي، والضمير رفيقي في هذه الرحلة. وسأبقى أدرس وأفكر حتى أجد من يستحق صوتي، لأنني لا أريد أن يضيع في مهب الريح، ولا أن يتحول إلى رقم بلا معنى.
فالصوت أمانة، ومن لا يحسن وضعه في مكانه الصحيح، فقد فرّط بحق الوطن والمبدأ.

وهكذا أستقبل صباحاتي بهدوءٍ وتأمل، أقرأ في وجوه الناس شغفهم وتعبهم، وأسمع في أحاديثهم حيرةً تشبه حيرتي. لكنني على يقينٍ بأن الديمقراطي الكوردستاني سيبقى البوصلة التي تهدينا في كل منعطف، مهما اشتدت الرياح وتغيرت الموازين، لأننا ببساطة لم نختره صدفة، بل اخترناه إيمانًا ومسيرة.

قد يعجبك ايضا