نعمة المهدي
في حياة الإنسان العراقي، ثمة ساعة لا تدقّ… ساعةٌ تتوقّف عند لحظة فَقْدٍ أو وجع، فيبقى صاحبها يحاول إصلاح ما حوله، بينما الزمن في داخله جامدٌ لا يتحرّك. في زقاقٍ ضيّقٍ من شارع الصناعة ببغداد ، كان قاسم يجلس خلف منضدةٍ صغيرةٍ تتناثر عليها هواتفٌ مفتوحةُ الأسلاك، وبراغٍ صدئة، وذكرياتٌ لا تموت. يداوم منذ الصباح حتى المساء، لا لشيءٍ سوى أن يُشغل نفسه عن صمتٍ ثقيلٍ يسكن قلبه منذ أن رحلت زوجته سعاد. قبل أعوامٍ طويلة، كان شابًّا نحيلًا يحلم بأن يفتح ورشة تصليحٍ صغيرة، ويتزوّج من حبيبته. كانت سعاد بنت الجيران، بسيطة الملامح، يلمع في عينيها دفءُ البيت وطمأنينةُ الأمل. تحدّت معه الفقر، وسكنت معه غرفةً ضيّقةً في بيتٍ مستأجرٍ، تتسرّب منه المياهُ شتاءً وتغلي جدرانه صيفًا. لكنّهما كانا يضحكان رغم كلّ شيء، ويتقاسمان الرغيف، ويحسبان الأيام بفرحٍ طفوليٍّ حتى جاء ابنهما الأول حسن، ليملأ الدار الصغيرة صخبًا وضوءًا. كانت سعاد تضحك كلّما عاد قاسم منهكًا من عمله، تمسح العرق عن جبينه وتقول: ــ «المهم تبقى بخير يا رجل البيت… والباقي يهون.» وكان يشعر أن الدنيا كلها تتلخّص في تلك الجملة. لكن القدر كان قاسيًا. ذات مساء، حين عاد من عمله، وجدها شاحبةَ الوجه، تتألم بصمت. قال الطبيب بعد سلسلة فحوصات: سرطان. لم يفهم الكلمة أول الأمر، لكنه رأى الموت يتسلّل ببطءٍ في عينيها كلَّ يوم. باع أدواته، وهاتفه، وحتى ساعة يده، وسافر بها بين المستشفيات. كان يرجو الله في كلِّ سجدةٍ أن يُبقيها معه يومًا آخر فقط. وفي الليلة الأخيرة، كانت تمسك يده وتهمس بصوتٍ متعبٍ رقيق: ــ «لا تترك نفسك يا قاسم… لا تنكسر بعدي.» لكنها رحلت، كأنها أخذت معها كلَّ ما بقي ينبض فيه. منذ ذلك اليوم، توقّفت ساعته المعلّقة في الورشة عند الخامسة والنصف ، تمامًا في اللحظة التي لفظت فيها أنفاسها الأخيرة. لم يحاول إصلاحها، كأنها أصبحت شاهدًا على موت الزمن بعد رحيلها. كان يواصل إصلاح هواتف الناس، يُعيد النبض لأجهزتهم، لكنه لا يسمع سوى صوتها البعيد في رأسه، يقول له كلَّما أضاءت شاشةُ هاتفٍ بين يديه: ــ «ترى الحياة بعدي صعبة… بس لا تيأس.» وفي المساء، حين يُغلق محله، يجلس أمام الساعة الصامتة، يهمس لها: ــ «كأنچ إنتِ وياها… ما تتحركين من وقتها.» ثم يبتسم بحزنٍ طويلٍ ويقول لنفسه: “أنا أصلّح ما ينكسر عند الناس، بس ما كدرت أصلّح نفسي بعدچ.” في حياة بعض البشر، تتوقف الساعةُ عن الدقّ، لا لعطلٍ فيها، بل لأنّ القلبَ نفسه لم يعُد يُريد أن يسمع صوت الزمن. وهكذا بقي قاسم في شارع الصناعة، يُصلح ما انكسر من العالم، فيما زمنه هو ما زال واقفًا عند الخامسة والنصف . لحظةٍ لم ينجُ منها بعد.