د. توفيق رفيق التونچي
((وَمِنَ النَّاسِ من يَتَّخِذُ من دون الله أَندَادًا)) سورة البقرة، الآية 165
لكن السنا نحن البشر من ننقاد سريعا وراء الشخصيات المشهورة في عالم السياسة والفن والاجتماع إلى حد العبادة؟ يهرع الناس إلى التقاط الصور بجانب هؤلاء ونشرها وهي حالة وحاجة طبيعية عند البشر. نرى ان الشباب يهرعون إلى الحصول على توقيع المشاهير في عالم السياسة، الفن، الرياضة وحتى الأدب لتوثيق تلك اللحظة الشخصية بوجوده قرب تلك الشخصية وحصوله على توقيعه.
لا ريب ان العمل التجاري لعب دورا مهما في السنوات الأخيرة لتواقيع المشاهير التي بيعت بمبالغ خيالية في المزادات. وهناك آخرون يكتفون بالوقوف امام أحد التماثيل والتقاط صورة وباعتقادي ان نصب الحرية في بغداد أكثر النصب التذكارية الذي يلتقط عندها ومعها الصور كما هي بجانب برج ايڤل في پاريس او نصب الحرية في نيويورك.
لكل منا في البوم الصور خاصته. عديد من الصور مع أحد المشاهير. قبل أكثر من نصف قرن كنا نراسل المطربين والممثلين المصريين فيرسلون لنا صورهم بتوقيعهم. لكن اليوم بإمكاننا السفر ومشاهدتهم وربما نحصل على صورة شخصية نلتقطها بالموبايل معهم.
حين يسير شخص ما في الشارع دون ان يعرفه أحد لا يهتم به أحد وهناك الآلاف اليوم لهم حياة طبيعية ولا يهتم بهم أحد ولكن لو دار عجلة الزمن وأصبحوا من المشاهير بعد عقود من الزمن لنراهم لا يتمكنون العيش بحالة طبيعية بين الناس ولا ان يسروا في الشارع بمفردهم. هذا الفكرة لا تطبق على أنظمة الحكمً الملكي لان الناس يعرفون ملك المستقبل اي ولي العهد الذي سيصبح ملكا في يوم ما بعد وفاة أبيه الملك.
ظهرت بعد سقوط النظام العراقي واحتلال قوات التحالف الدولي للعراق العديد من الصور كما ان الكثير اختفت لأول مرة شعر الناس بان هناك فسحة من الحرية لينشروا صورا مع ملك العراق او مع رؤساء الجمهورية من بعدهم. لا ريب ان تلك الصور تحمل تاريخاً لم يكن باستطاعة الناس خوفا من إبرازها.
كان عند والدي رجلا من مدينة الثورة اسمه زاير وطبعا هذا ليس اسمه الحقيقي (ينعت بمن زار ضريح الأئمة الكرام في النجف وكوفة وكربلاء) رجل بسيط من الريف قادم إلى العاصمة من جنوب العراق كان يقول لا زلت احتفظ بصورة الزعيم في غرفة الضيوف ولم ارفع صورته من الحائط حتى لو قتلوني.
اليوم هناك العديد ممن يفتخرون بتاريخ الزعيم الوطني ويرفعون صوره في حين غاب تماما من بيوت العراقيين صور القائد الضرورة حفظة الله ورعاه ومن جميع بيوت ومحلات ودوائر الدولة والشوارع. الصورة تلك كانت ضرورية في كل بيت وحكاية الطفل الذي وشى بوالديه لأنه كان كل صباح يهين تلك الصورة معروفة عند العراقيين ومصير ذلك الأب المأساوي.
وكم من العراقيين أعدموا بسبب اهانة الرئيس او سبه وحتىً تمزيق صورته. كان لي صديق كلما جلسنا نتغذى نفترش الصفرة من ورق الجريدة (الثورة والجمهورية) على الأرض يعتذر من الرئيس لان صورته في الصفحة الأولى مع مغامراته. الحقيقة كان يخاف منا كذلك لان النفاق كان بدرجات عالية بيّن العراقيين ولم يكن المرء يثق حتى بعائلته. كيف لا وإذا كان نرجسية القائد فوق المقدس ولا يقبل حتى ان يشرب الشاي قبل ان يبدأ هو بنفسه بشربه.
المطبلين كثرة دوما في الدكتاتوريات وأسوئهم هؤلاء من الممثلين والفنانين والشعراء. هؤلاء الذين كانوا يرفعون صور القائد اليوم يرفعون صورة اخرى وغدا اخرى وهلم جر. لكن بين هذا التوجه لعبادة الشخص والأخر المحبوب فعلا هوة كبيرة تفصل بينهم. بين الصورة المفروضة على الناس وبين المحبوبة الإيجابية. هذا يعني بان هناك طبعا شخصيات محبوبة رغم كونهم في السلطة ومدحهم لا يدخل دائرة النفاق مباشرة وقد يكون من باب المديح الإيجابي دون اي مبالغة.
(فكنت وما بين الحسامين ضيّقٌ كأنك في جفن الردى وهو نائم) قالها المتنبي مادحا سيف الدولة الحمداني. هذا السلوك في عبادة الأشخاص منتشر تاريخيا في دول الشرق وبعض الدكتاتوريات. لكن جذورها قديمة خاصة عند المصريين القدماء وحضارة عيلام حيث استمر الأمر في ايران لحد يومنا هذا فيما كان شعوب بلاد الرافدين يأخذ ملوكهم القوة من الإلهة ويعبدوا من قبل شعوبهم.
قبل سنوات وانا ادرس كورس علم النفس والتغير في الجامعةً ذكر الأستاذ المحاضر مرجعا علينا بشرائه الكتاب كان عن الأدوار السينمائية والتمثيل تعجبت حول ما يكون الرابط بين فن التمثيل وعلم النفس البشري. طلب منا قراءة الكتاب وكتابةً ملخص للكتاب. اكتشفنا الكثير من هذه المحاضرة والاهم فكرة ان البشر يقومون بتقليد هؤلاء الممثلين في كل شيء تقريبا في ملبسهم سلوكهم وأسلوب حياتهم.
ادولف هتلر الدكتاتور النازي كان يقلد الممثل شارلي شابلن في فلم “الدكتاتور” وليس العكس معظم المجرمين يقلدون مارلين براندو في الأب الروحي (العراب) والضباط العسكريين يقلدون الممثلين في أفلام الحروب والأشهر طبعا هو فلم (جسر على نهر كوا( .
كنا نحن الشباب ربما نقلد تسريحةً رشدي أباظة ونلبس ملابس عبد الحليم والتقليد إيجابي ها هنا وليس سلبيا ونرى ذلك يوميا في استخدام الممثلين في الدعاية. لكن ان تقلد جلسة الرئيس وملبسه وتكرر كالببغاء أقواله او تدخن الچروت وتطول شاربك ليشبه شاربه فهذا بحث آخر.
هناك شخصيات محبوبة كاريزماتيكي ولا يحتاجون إلى المنافقين لكن الناس يحبونهمً كرمز موجب بعيدا عن مركزهم في المجتمع وحتى بعض الممثلين يتحولون إلى أيقونات خذ مثلا شخصية (مستر بين) الإيجابية الكوميدية وحتى افلامه الصامتة والتي يؤديها الممثل البريطاني روان أتكينسون. وشخصيات من السينما المصرية امثال عادل امام وإسماعيل يس ودريد لحام في شخصية غوار ومن السينما التركية شخصية شعبان القروي الذي مثله كمال سونال وشخصية علي أفندي الكوردي الذي شخصه الممثل مكي عبد الله. وقد نرى العامة من الناس يرددون أقول وأفعال هؤلاء الممثلين للاستهزاء والسخرية.
ان تمدح هؤلاء لا يضر بأحد ولكن ان تمدح مجرم أياديه ملوثة بالدماء باسم انتماء لفكر سياسي أنت تؤمن به فهو جريمة جبانة ومزدوجة. لكن هناك شعوب تحب وتحترم قادتهم لأنهم يرون فيهم ممثلا حقيقيا لهم لتحقيق أمالهم وتطلعاتهم من جهة ومن جهة اخرى يرون فيه الصدق في القول والفعل. وهذا نعني به التطبيل الايجابي.