عباس عبدالرزاق
تشهد الساحة السورية في الآونة الأخيرة نشاطًا عسكريًا روسيًا مكثفًا، يتمثل بتحركات لوجستية مكثفة بين القواعد والمرافئ، وتحليق طائرات شحن عملاقة، في مشهد يُضع تساؤلات حول توجه موسكو المقبل في البلاد. هذه التحركات تتزامن مع تقارير عن توتر ميداني وسياسي بين دمشق وواشنطن حول النفوذ في الأراضي السورية.
تحركات لوجستية مكثفة: الأرتال بين القواعد
أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بوصول تعزيزات روسية ضخمة إلى قاعدة حميميم، تضمنت هبوط أكثر من 9 طائرات شحن عملاقة من طراز “A124” محمّلة بعتاد ومعدات ثقيلة. وبحسب المرصد، خرج رتل مؤلف من 24 شاحنة وصهاريج وقود من طرطوس باتجاه حميميم، وعاد لاحقًا محمَّلاً بمواد لم يُفصح عنها، أُجبر على السير ببطء خلال بعض المراحل. كما رُصد رتل روسي مؤلف من 25 شاحنة ترافقه الشرطة العسكرية الروسية يتحرك صباحًا من حميميم إلى طرطوس ويعود مساء محمّلًا، في تحرك تكرّر مرارًا خلال الأيام.
في 1 أكتوبر، وثّق المرصد خروج رتل كبير من قاعدة حميميم إلى طرطوس ضمّ أكثر من 40 آلية عسكرية متنوعة من شاحنات ومدرعات، مع وحدات حماية مرافقة على الطريق. في أغسطس الماضي، شهدت أجواء طرطوس تحليق طائرة مقاتلة ومروحيتين روسيتين فوق كورنيش المدينة لأسباب لم تُعلَن.
دلالات الاستراتيجية الروسية والتصريحات الرسمية
وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، صرّح بأن موسكو تنوي إعادة تنظيم مهام قواعدها في سوريا بما يتوافق مع الظروف الجديدة، مع الإشارة إلى إمكانية استخدام القواعد كمراكز لتوزيع المساعدات الإنسانية عبر الموانئ والمطارات إلى الدول الإفريقية.
لافروف أكّد أن الوجود الروسي في سوريا ليس لدعم سلطة عسكرية ضد المعارضة، بل يُفترض أن يُعاد هيكلته ليخدم مهام “إنسانية” أو تعاونًا مع الحكومة السورية. كما تحدث لافروف عن علاقات موسكو مع دمشق بأنها “قائمة على الصداقة وليست انتهازية”، مبيّنًا أن روسيا لن تبقى في سوريا في حال رفضت القيادة السورية ذلك، لكن أن دمشق ودولًا في المنطقة “مهتمة ببقاء هذا الوجود”. في مقابلة أخرى، أكد لافروف أن موسكو ستستمر في المشاريع مع سوريا بشرط تعديلها لتتماشى مع الظروف الجديدة، وأن مهام القواعد الروسية يجب أن تصاغ من جديد.
حسابات دمشق وموقف الولايات المتحدة
دمشق في موقف معقّد: فهي تسمح بتحركات روسية واسعة دون معارضة علنية، ربما باعتبارها ضمانة أمنية في مناطق سُميت بالمهمة الروسية، مع تسلّمها للدعم السياسي أو العسكري الموعود. من جهة أخرى، واشنطن تُبدي قلقًا من هذا التمدد، خصوصًا في المناطق التي يُعتبر أن وجودها أو وجود حلفائها يُعدّ تهديدًا لتوازن النفوذ في شمال وشرق سوريا. ومع أن الولايات المتحدة لا تربطها علاقات مباشرة بالحكومة السورية، إلا أن قوى محلية تدعمها قد تستخدم النفوذ أو التدخّل المحدود لردع التوسع الروسي.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
1. ترسيخ النفوذ الروسي: السيطرة على الساحل وربطه بالقواعد والامتدادات الداخلية، مع إدارة أمنية روسية فعلية.
2. اتفاق ضمني بين موسكو وواشنطن حول مناطق النفوذ لتفادي المواجهة المباشرة.
3. تصاعد التوتر والمواجهة المحلية إذا تجاوزت موسكو “خطوطًا حمرًا” بالنسبة للقوات المتحالفة مع واشنطن.
ما يجري بين حميميم وطرطوس، ومن هناك إلى القامشلي والمناطق البعيدة، هو إعادة بناء للنفوذ الروسي في سوريا، ليس كقوة مساندة فقط، بل كعامل قرار ميداني.
دمشق اليوم ليست المتحكّم الأوحد في أمنها، بل طرف تفاوضي في لعبة كبرى تُرسم من موسكو وواشنطن.
التحركات التي تحدث الآن قد تشكّل ملامح خريطة النفوذ السوري المقبلة، وقد تضع نهاية لحقبة “الحرية الجزئية” في العديد من المناطق السورية، لصالح نفوذ يُدار من الخارج.