تراث العلماء الكورد في دور مخطوطات السعودية

د. ياسين طه

نسمع كثيراً أن المخطوطات والإنتاجات والوثائق الكوردية قد احترقت وفُقدت بسبب الكوارث، لكن في السنوات الأخيرة، بدأ هذا الرأي يتلاشى تدريجياً، حيث ظهرت العديد من المخطوطات والأعمال المفقودة لعلماء ومؤلفين كورد في مكتبات ومخطوطات عالمية مرموقة. بهذه الكلمات بدأ الباحث الأكاديمي د. ياسين طه، مقدمة الطبعة الثانية لكتابه حول تراث أعلام الكورد في دور المخطوطات السعودية، الذي تم عرضه في معرض السليمانية للكتاب مطلع تشرين الأول، أكتوبر 2025 الحالي.
وذكر طه، الذي يعمل كباحث في “مركز كوردستان” التابع لجامعة السليمانية، أن المخطوطات التي لم تُكتشف بعد قد تُعد أكثر بكثير مما هو موجود حالياً. ومن بين تلك الموجودة، هناك مخطوطات لم تُسلط عليها الضوء باللغة الكردية بعد، أو لم تُعرّف أو تُدرج في قوائم التصنيفات حتى يتسنى للباحثين الاطلاع عليها.
هذا العمل البحثي الموسوم بـ “أعلام الكرد في دور المخطوطات المملكة السعودية” الذي نشره “آستانة” يسعى لسد هذه الفجوة ولو قليلًا بحسب الباحث، وهو محاولة متواضعة بحسب قوله، لإبراز مجموعة من المخطوطات لمؤلفين وأعلام كورد محفوظة على شكل رقمي وأصلي في مخطوطات المملكة العربية السعودية. وقد وصلت نسخ رقمية لبعضها إلى “مركز كردستان للتوثيق والبحث الأكاديمي – جامعة السليمانية” بطرق خاصة أو تم عرضها على مواقع ومنصات مخصصة للمخطوطات على الشبكة العنكبوتية العالمية (الانترنت).

أهمية هذا العمل لا تكمن فقط في إبراز المخطوطات وتعريفها، بل في تسليط الضوء على علاقة العلماء الكورد المسلمين بالحرمين الشريفين في مكة والمدينة ايضاً. هذه العلاقة لها جذور تاريخية تعود إلى عصر الصحابي الكُردي (جابان)، الذي ذُكر اسمه في مصادر الحديث كأول صحابي كردي. وفي العصور اللاحقة، توجه عدد كبير من النخب الكردية إلى هذه الأماكن المقدسة عن طريق الحج والعمرة، والدراسة، والتجارة، وقوافل السفر، وغيرها و لا تزال العديد من جوانب هذه العلاقة غامضة وغير معروفة، مما يوفر فرصًا مهمة للبحث والتحقيق لفهم تفاصيلها.
وذكر “د. ياسين طه” أن جهود جمع أو تسجيل وتعريف إنتاجات ومخطوطات الأعلام الكورد مستمرة منذ سنوات بأشكال فردية متنوعة. وفي هذا السياق، تحدث الأستاذ المحقق “محمد علي قره داغي” في كتابه “إحياء تاريخ علماء الكرد” عن عدد كبير من مخطوطات العلماء الكورد. وفي السنوات الأخيرة، نشر رئيس قسم المخطوطات في مكتبة الملك عبد العزيز بالرياض، إبراهيم يحيى التميمي، قائمة بمخطوطات المؤلفين الكورد لدى مكتبتهم. لكن الأبحاث التي أجراها “مركز كردستان” لجامعة السليمانية أظهرت أن الأعمال قد تكون أكثر بكثير مما تم التعرف عليه حتى الآن، مما يتطلب المزيد من الجهود والتعريف، حيث لا تزال عمليات الجرد والبحث في مخطوطات المملكة مستمرة ولم تنته بعد. و هناك العديد من المؤلفين والأعلام الكورد الذين قد لا يتم التعرف عليهم بشكل كافٍ بسبب عدم شهرة أسمائهم أو وجود أخطاء في كتابة ألقابهم وأماكنهم وحتى أسمائهم.
يعتمد هذا الكتاب على التصنيف التحليلي، حيث يقدم الباحث شرحاً تحليليًا لمحتوى المخطوطات، بما في ذلك الموضوع، عدد الصفحات، نوع الخط، المؤلف، التاريخ، والعصر التاريخي، مع لمحة عن سيرة المؤلف ومحطات حياته الرئيسية.
وأضاف الباحث أن الهدف من هذا الكتاب هو تسهيل التعرف على المخطوطات وتقييم قيمتها العلمية والتاريخية. ويختلف التصنيف التحليلي عن الببليوغرافيا عبر تقديمه معلومات أكثر تفصيلًا.
واعتمد الباحث على التقسيم الجغرافي ومحل الإقامة الأصلي لأصحاب المخطوطات، لأن تقسيم المؤلفين حسب سنوات الوفاة، أو الأحرف الهجائية، أو التخصصات الإسلامية، كما هو شائع في مثل هذه الأعمال، قد يؤدي إلى تشتت الترتيب العلمي أو فصل الأعمال التي كتبت كشروح أو تفسيرات لاحقة على المخطوطات الأصلية بحسب الباحث، مضيفا أن التقسيم الجغرافي وإن لم يكن شائعًا في كتابة سير الأعلام الإسلاميين، فهو خطوة ضرورية لحفظ تسلسل الموضوعات وربط الأعمال وشروحها، في سياق توثيق سير أصحاب المخطوطات.
وأضاف الباحث أن أي عمل بحثي لا يخلو من التحديات، لكن في مجال المخطوطات، قد تكون المشكلة الرئيسية هي صعوبات ترجمة المصطلحات إلى الكردية وغياب مقابلات شائعة لها حتى الآن. كما أن غياب أرشيف وطني في كردستان يجعل من الصعب ارساء نظام موحد لتصنيف المخطوطات وتسجيلها، حيث تتبع كل جهة أو مؤسسة نظامًا خاصًا بها. إضافة الى ذلك فالعديد من المخطوطات متاحة رقميًا على مواقع متخصصة، لكن بعضها غير قابل للتحميل أو بجودة منخفضة، مما يشكل عبئًا على الباحثين أثناء القراءة ومحاولة فهم محتواها.
وفي الختام شدد الباحث أن هذا الكتاب هو محاولة أولية وبسيطة في طريق طويل يتطلب المزيد من العمل والتعاون موجها الشكر لكل الملاحظات والنقد البناء من القراء الأعزاء لتحسينه مستقبلاً.

قد يعجبك ايضا