د. ابراهيم احمد سمو
في أجواء مفعمة بالفرح والانتماء، التأم جمع كبير من المرشحين وأعضاء الحزب ونخبة من الشخصيات السياسية في حفلٍ بهيج خُصص للتعريف بمرشحي المرحلة المقبلة، بحضور الرئيس مسعود بارزاني، الذي حمل كعادته إلى المنصّة خطابًا متزنًا، عميق المعاني، محدود الكلمات، لكنه واسع الدلالات.
كان الخطاب نموذجًا للهدوء والحكمة. فالرئيس، الذي اعتاد أن يتحدث بثقة دون صخب، قدّم في كلمته إشاراتٍ بالغة العمق، بعضها واضح المعنى، وبعضها الآخر يحتاج إلى تأمل وتفكير، لأن الحكيم – كما يُقال – تكفيه الإشارة ليفهم المقصود.
فرحٌ بالحزب وجيشه الكبير
بدأ الرئيس كلمته بابتسامة فخر وهو يتأمل هذا الجمع الغفير من كوادر الحزب العريق، معبّرًا عن سروره برؤية هذا الجيش الكبير من أبناء الحركة التي ناضلت لعقود من أجل كرامة الإنسان وحقوق الشعب. وقد كان حضوره بين المرشحين دفعة قوية ومعنوية كبيرة لهم، كما عبّر أحد المرشحين قائلًا لنا بعد اللقاء : الجبال من خلفنا، والديمقراطي سندنا، والرئيس معنا، فلا خوف ولا تردد.
تلك العبارة تختصر عمق الثقة المتبادلة بين القيادة والكوادر، وتعكس روح الالتزام التي تسود الحزب الديمقراطي الكوردستاني منذ تأسيسه وحتى اليوم.
الانتخابات… مسؤولية وطنية ومفصل تاريخي
توقف الرئيس بارزاني في خطابه عند أهمية الانتخابات المقبلة، مؤكدًا أنها ليست مجرد منافسة سياسية، بل مسؤولية وطنية تحدد مستقبل العراق وكوردستان معًا. وقال إن أي انتخابات بلا تحديد واضح للمسارات والمبادئ تفقد معناها الحقيقي.
وفي هذا السياق، عبّر الرئيس عن اعتزازه بالكفاءات التي تمثل الحزب في مختلف المحافظات، مشيرًا إلى التنوع الجميل في قوائم المرشحين، ولا سيما في الموصل ونينوى، حيث تمتزج الأصوات العربية والتركمانية والكوردية في فسيفساء وطنية فريدة، تعكس روح التعايش التي يؤمن بها الحزب منذ نشأته.
الرئيس، في كلمته، خصّ المرشحين العرب والتركمان بالشكر والتقدير، مؤكدًا أن هذا التنوع ليس مجرد شعار، بل هو إيمان راسخ بأن الجميع سواسية في الحقوق والواجبات، وأن معاناة أي مكوّن هي معاناة الجميع.
إطلالة على التاريخ… من لوزان إلى العراق الجديد
في لحظة من لحظات الخطاب، اختار الرئيس أن يفتح نافذة على التاريخ، مشيرًا إلى معاهدتي لوزان وسيفر، والاختيار الطوعي الذي جمع الكورد والعرب والتركمان في إطار الدولة العراقية الحديثة. لم يكن استحضار التاريخ في هذا السياق ترفًا فكريًا، بل مدخلًا لفهم الحاضر وبناء المستقبل، فالتاريخ – كما قال – ليس مجرد ماضٍ نقرأه، بل تجربة نسترشد بها.
استعرض الرئيس بإيجاز المسار التاريخي منذ مرحلة ما قبل سقوط النظام وحتى ما بعده، مذكّرًا بالاستفتاء على الدستور في عام 2005، وبالنية الصادقة التي عبّر عنها الكورد في المضي نحو عراقٍ ديمقراطي اتحادي، يقوم على السلام والشراكة الحقيقية.
من ثورة أيلول إلى الدستور الجديد
استعاد الرئيس شعار ثورة أيلول المجيدة: “الديمقراطية للعراق، والحكم الذاتي لكوردستان”، معتبرًا إياه شعارًا خالدًا يجمع بين المبدأين اللذين لا ينفصلان: الحرية والديمقراطية. فحين تسود الديمقراطية في العراق، يسود الأمان والسلام، وينال الجميع حقوقهم المشروعة.
وأشار الرئيس إلى واحدة من المواقف المشرّفة في تاريخ الحركة الكوردية، عندما استسلم فيلقان كاملان خلال المعارك، فأُطلق سراح أفرادهما دون أن يُصاب أحد بأذى. تلك اللحظة – كما قال – تختصر معنى التسامح الكردي، وتبرهن أن الشجاعة الحقيقية تظهر عند المقدرة، لا عند الانتقام.
بعد السقوط… ولادة عراق جديد
أكّد الرئيس بارزاني أن مرحلة ما بعد سقوط النظام كانت اختبارًا عسيرًا، لكنها كانت أيضًا بداية جديدة لبناء عراق اتحادي فيدرالي قائم على الدستور. فالكورد لم يدخلوا العملية السياسية طمعًا أو انتقامًا، بل إيمانًا بضرورة التلافي من جراح الماضي والمضي قدمًا في بناء مستقبل يتسع للجميع.
لقد شارك الكورد بفاعلية في صياغة الدستور الدائم للعراق، بعد محادثات ماراثونية طويلة، انتهت بالتوافق على ما هو موجود الآن. ورغم ما فيه من سلبيات، فإن الإيجابيات – كما قال الرئيس – تفوقها بكثير، لأن الدستور هو نتاج إرادة وطنية جامعة، وهو المرجع الأعلى الذي يجب أن يحتكم إليه الجميع.
لكن المشكلة، كما أشار بوضوح، لم تكن في النصوص، بل في التطبيق. فالكورد ذهبوا بصدق إلى تنفيذ الدستور وبناء العراق الاتحادي، بينما مال بعض الأطراف الأخرى إلى نهجٍ مركزي يعيدنا إلى الوراء. وهذه المفارقة هي التي خلقت الكثير من الأزمات التي نعيشها اليوم.
الديمقراطية والتعايش… طريقنا المشترك
في حديثه عن الشراكة الوطنية، شدّد الرئيس بارزاني على أن مبدأ “الشراكة والتوازن والتوافق” ليس شعارًا انتخابيًا، بل قاعدة أساسية لبقاء العراق موحدًا. ودون هذه المبادئ، لا يمكن لأي نظام سياسي أن ينجح أو يستقر.
وأكد أن أي طرف يسعى إلى إضعاف الكورد أو الانتقاص من حقوقهم الدستورية، إنما يضعف العراق نفسه، لأن الكورد شركاء في هذا الوطن، لا ضيوفًا فيه. ودعا الجميع إلى قراءة بنود الدستور بروحٍ وطنية، بعيدًا عن التعصب أو الشوفينية، لأن العراق الجديد يجب أن يقوم على أساس الفيدرالية واللامركزية، لا على عقلية الإلغاء والإقصاء.
النفط والغاز… والعودة إلى الدستور
تطرق الرئيس إلى ملف النفط والغاز، موضحًا أن قانونه كان على وشك الإقرار لولا بعض المواقف المتشنجة التي أوقفت المباحثات في لحظاتها الأخيرة. ومع ذلك، عبّر عن أمله الكبير في إعادة تفعيله قريبًا بمجرد العودة إلى روح الدستور، لأن هذا الدستور هو الحكم والمرجع في كل القضايا الخلافية بين الحكومتين الاتحادية والإقليمية.
كما بارك الرئيس الخطوات الجارية في سبيل التفاهمات الثنائية والاتفاقيات الجانبية بين حكومتي بغداد وأربيل، معتبرًا أن الحوار الهادئ والبنّاء هو الطريق الوحيد لحلّ المشكلات بعيدًا عن التوتر والتصعيد الإعلامي.
هدوء الحملة الانتخابية… صورة الديمقراطية
واحدة من أكثر النقاط التي لفتت الأنظار في خطاب الرئيس كانت دعوته إلى الهدوء في الحملات الانتخابية. فقد شدّد على أن المرشح الناجح هو الذي يتحلّى بالاتزان، ويتجنب الانفعال، ويقدّم صورة حضارية تعكس رقيّ التجربة الديمقراطية في كوردستان.
قال الرئيس بوضوح إن الانتخابات ليست ساحة للصراخ أو المهاترات، بل ميدان لتقديم البرامج والأفكار. وكل مرشح يجب أن يكون نموذجًا في السلوك والاحترام، لأن الناس تحكم على الحزب من خلال ممثليه.
هذه الدعوة الهادئة إلى التريث وضبط النفس، هي في جوهرها درس سياسي وأخلاقي، يعكس عمق تجربة مسعود بارزاني الذي أثبت، في أحلك الظروف، أن الحكمة أقوى من الغضب، وأن الثبات في الموقف لا يعني الجمود، بل هو أساس الاتزان والقيادة.
خاتمة الخطاب… تصفيق للنبل والرؤية
اختتم الرئيس كلمته وسط تصفيق الحاضرين الذين رأوا في خطابه مزيجًا من الواقعية والرؤية المستقبلية. لقد كان حديثه تجسيدًا لعقيدة سياسية تقوم على الإيمان بالشراكة والعدالة، ورفض الإقصاء والتهميش.
في ختام كلمته ، لم يرفع صوته، ولم يلوّح بتهديد أو وعيد، بل قدّم دروسًا في التواضع والاتزان، موجّهًا رسائل لكل الأطراف بأن قوة كوردستان لا تُقاس بالعدد أو العتاد، بل بالوحدة والوعي والقدرة على الصبر والتمسك بالحق.
هكذا كان مسعود بارزاني – كما عهدناه دائمًا – رجل المواقف الثابتة والرؤية العميقة، يجمع بين العقلانية السياسية والدفء الإنساني، بين الواقعية في الأداء والحلم في المستقبل. ومن بين كلماته، تبرز رسالة واحدة تكررت منذ عقود:
“لن نبني عراقًا جديدًا إلا بالشراكة، ولن نحافظ على كوردستان إلا بالديمقراطية.