شيركو حبيب*
حدثان تاريخيان خالدان في الذاكرة، فقد مرت 67 عاما على الزيارة التأريخية للزعيم الكردي مصطفى بارزاني إلى مصر، و لقائه مع الزعيم الخالد جمال عبدالناصر في 5 أكتوبر، والحدث الثاني الذكرى 55 لوفاة الزعيم جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970.
التأريخ يمجد العظماء الذين عملوا وجاهدوا في سبيل حقوق شعوبهم وأوطانهم وبناء مجتمع ديمقراطي، هم خالدون على مر العصور و تتوالى سير كفاحهم على أذهان ومسامع الأجيال المتعاقبة.
قبل 67 عاما وفي 5 أكتوبر 1958 حل الزعيم الكردي الخالد الجنرال مصطفى البارزاني ضيفا على جمهورية مصر العربية بدعوة من الزعيم العربي المصري الراحل جمال عبدالناصر، وأصبحت هذه الزيارة بداية للعلاقات الكردية – المصرية في التأريخ المعاصر، فالزعيم الكردي زار مصر في طريق عودته من منفاه الاختياري في الاتحاد السوفيتي السابق بعد التصدي لجيوش أربع دول، حيث استطاع في ملحمة بطولية أن يصل إلى الاتحاد السوفيتي مع عدد من رفاقه عابرا السهول والجبال والوديان والأنهار. جاء إلى القاهرة ليعبر عن شكره للرئيس ناصر على دعمه للشعب الكردي، وفتح قسم اللغة الكردية في إذاعة مصر.
يعتبر الزعيم عبدالناصر أول زعيم عربي يستقبل شخصية وقائدا كرديا على أرض الكنانة، لإيمانه بالقومية وحقوق الشعوب الأخرى، وبنى عبدالناصر موقفه من الكورد على أساس معرفته بحق كل شعب في أن يعيش حرا آمنا في وطنه، وكان يرى أن الكورد الذين يعيشون ضمن محيط الوطن العربي لهم ما لإخوانهم العرب من حقوق قومية ودستورية، ومن هذا المنطلق استقبل الزعيم الكردي البارزاني، كما وافق على بث إذاعي باللغة الكوردية وخاصة بقضيتهم لمدة أربع ساعات يوميا عبر إذاعة صوت العرب من القاهرة. خلال حزيران 1957 إلى عام 1968.
لم يكن الكورد بغافلين عن مجريات الأحداث في مصر و ما تعرضت له من عدوان ثلاثي بعد تأميمها لقناة السويس، وتعبيرا عن دعمهم مصر و شعبها بعث الزعيم الخالد مصطفى بارزاني عندما كان في الاتحاد السوفيتي برسالة إلى الزعماء السوفيت دعا فيها مساعدة مصر أو السماح له بالذهاب إلى مصر للدفاع عنها. وقال الجنرال بارزاني خلال لقائه بعدد من الصحفيين المصريين خلال زيارتهم إلى كردستان “إنه بكى ونزلت الدموع من عينيه دون إرادته من أجل مصر”، وكما بعث برسالة إلى الزعيم عبدالناصر عام 1956 على أثر العدوان الثلاثي، أعلن فيها استعداده هو ورفاقه للتطوع للدفاع عن مصر وشعبها، وشكره الزعيم عبدالناصر على هذا الموقف.
كان الزعيمان ناصر وبارزاني قد وضعا اللبنة الأولى لتطور ونمو العلاقات الكردية المصرية على أرضية سياسية مباشرة واسعة النطاق، وخلال زيارة البارزاني لمصر في أكتوبر 1958 شكر الزعيم الكوردي رفيقه وصديقه العربي القومي جمال عبدالناصر على مواقفه تجاه الشعب الكوردي وقضيته، وضمن زيارته إلى مصر تجول بارزاني في مدينة بورسعيد التي شهدت العدوان الثلاثي ليسجل شهادته بحق المناضلين من أهلها أصحاب أروع مقاومة عربية في ظروف ملتبسة.
هكذا أصبحت هذه الزيارة التأريخية للقاهرة وبورسعيد رمز المقاومة والصمود، نواة لعلاقات مستمرة حتى يومنا هذا، و الموقف المصري تجاه الشعب الكوردي وحقوقه ظل محل تقدير واحترام، مرورا باستقبال الرئيس الراحل حسني مبارك للزعيم الكوردي مسعود بارزاني، وصولا لتأييد الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر الشباب بشرم الشيخ قبل سنوات للحقوق الكوردية الكاملة، وهذا أساس يرسخ لمتانة العلاقات الممتازة المشتركة ويبنى تصورات جديدة لآفاق تعاون كبير في كافة المجالات بين أربيل والقاهرة، تتسع معها فرص التنمية والتبادل الاقتصادي وكذلك الإحساس المشترك بالدور المسؤول عن حماية أمن المنطقة.
وقال الزعيم عبدالناصر عن الزعيم بارزاني “كان رجلا مهيب الطلعة ، وأعظم ما كان فيه عينان نافذتان تزيدان من قوة وتعابير الخطوط الحازمة لوجه صارم نبه”. رحم الله هذين العظيمين.
*مسؤول مكتب الحزب الديمقراطي الكردستاني في القاهرة