نوري جاسم
الانتخابات هي جوهر الأنظمة الديمقراطية، والوسيلة التي تُحدّد بها الشعوب مصيرها، وتختار من يُمثلها في صناعة القرار. ولكن، وسط هذا المشهد المثالي، تثور التساؤلات الجوهرية:
هل تتساوى كل الأصوات في القيمة والتأثير؟
هل يتساوى صوت العالم الذي يحمل وعيًا وفكرًا مع صوت الجاهل الذي يُصوّت بغير علم؟
هل يتساوى صوت الصادق الأمين مع صوت الكاذب الخائن؟
هل يتساوى صوت الرحمة والإنسانية مع صوت القسوة والمصالح الشخصية؟
هل يتساوى صوت من يحب وطنه ويغار عليه مع من لا يحمل للبلد أي ولاء؟
هل يتساوى من يفدي وطنه بروحه مع من لا يهمه إلا مصلحته الضيقة ولو على حساب الوطن؟
إن مبدأ “صوت واحد لكل مواطن” يبدو عادلًا على السطح، لكنه يخفي في طياته مأزقًا أخلاقيًا وفكريًا عميقًا، حين تصبح نتائج الانتخابات مرهونة بكثرة لا بوعي، وبعاطفة لا بعقل.
البلاد لا تنهض فقط بالأعداد، بل بالقيمة، ولا تُبنى الأوطان على مجرد صناديق انتخاب، بل على الوعي الذي يختار بها الناس من يستحق ثقتهم.
ليست المشكلة في الديمقراطية ذاتها، بل في غياب الوعي عند كثير ممن يُدلون بأصواتهم. فحين يُمنح الصوت لمن يبيع صوته بثمن بخس، أو لمن يصوّت على أساس قبلي أو طائفي أو مصلحي، فإن مستقبل الأمة يُصبح في مهب الريح.
ولذلك، لا بد من أن نسأل:
هل من العدل أن يتساوى من يرى في الوطن بيتًا مقدسًا، مع من يراه متجرًا أو غنيمة؟
هل من الحكمة أن تُسلّم راية القرار لمن لا يقرأ ولا يفهم ولا يسأل، بينما يُقصى من يُفكر ويحلل ويخطط؟
ليست الدعوة هنا إلى تقييد الحق في الانتخاب، بل إلى الارتقاء بالوعي، وجعل الصوت مسؤولية لا مجرد حق. فصوت المواطن ليس رقمًا، بل أمانة يحملها على عاتقه تجاه وطنه وأجيال المستقبل.
في النهاية، كل صوت يُدلي به صاحبه، هو لبنة في بناء هذا الوطن، فإما أن تكون لبنة في جدار شامخ، أو حفرة في طريق الانهيار.
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..