أحمد زبير باني
في أرضٍ تتقاطع فيها الأديان كما تتعانق الجبال والوديان، تولد كوردستان من جديد كلّ يومٍ على صوت المآذن وجرس الكنائس ورنين الأمل.
هنا، لا يقف الدين في وجه الإنسان، بل يسير معه في طريق واحد نحو الحرية والكرامة.
وهنا، يلتقي التاريخ بالإيمان، والسياسة بالأخلاق، في مشهدٍ فريدٍ يجعل من كوردستان نموذجاً للسلام والتنوّع في قلب الشرق الأوسط المضطرب.
وطن تتعانق فيه المآذن والأجراس
في مشهدٍ إنساني مهيب، افتتح السيد مسرور بارزاني، رئيس حكومة إقليم كوردستان، كنيسة أمّ النور في قضاء عنكاوا، ليؤكد أن كوردستان لم تكن يوماً موطناً لدينٍ واحد أو قوميةٍ واحدة، بل فضاءً تتعايش فيه الأرواح قبل الأجساد، والإيمان قبل الانتماء.
لم يكن هذا الحدث مجرد افتتاحٍ لبيت عبادةٍ مسيحي، بل رسالة إلى العالم بأنّ التنوّع في كوردستان ليس شعاراً، بل ممارسةً حقيقية.
فحين تُفتح كنيسةٌ في أربيل بجوار مسجدٍ أو مزارٍ إيزيدي، فإنّ ذلك يعني أن الحرية الدينية ليست منّةً من أحد، بل جزء من هوية هذا الوطن الذي آمن بأنّ احترام الآخر هو أرقى أشكال الإيمان.
وفي كلمته بالمناسبة، شدّد رئيس الحكومة على أن الإقليم سيبقى ملاذاً آمناً لكل المكونات الدينية والقومية، مؤكداً التزام حكومته بدعم كل المبادرات التي تعزّز ثقافة التسامح، وتبني مشاريع تجعل من التعددية الدينية مكوّناً أساسياً للتماسك الاجتماعي والاستقرار. هذه الرؤية ليست مجرد فكرة سياسية، بل انعكاسٌ لطبيعة القيادة الكوردستانية التي ترى في الدين جسرًا للأخوة الإنسانية وليس سيفًا للانقسام.
نهج الإيمان والحرية
هذه الروح التي تجمع الأديان والمذاهب في إطارٍ من الأخوّة والاحترام ليست وليدة اللحظة، بل امتدادٌ لنهجٍ أصيلٍ خطّه الزعيم الخالد ملا مصطفى البارزاني، الذي رأى في الدين مصدرًا للأخلاق والوحدة، لا وسيلةً للفرقة.
فمنذ بدايات الثورة الكوردية، كان العلماء ورجال الدين جزءاً من الحركة الوطنية، يقفون إلى جانب البيشمركه، يحملون القرآن بيدٍ والبندقية باليد الأخرى، مؤمنين بأن الدفاع عن الأرض واجبٌ ديني قبل أن يكون وطنياً.
لقد كان البارزاني الكبير يدرك أن بناء الوطن لا يكتمل دون خطابٍ دينيٍّ وسطيٍّ يعيد الثقة بين أبناء المجتمع، ويحمي كوردستان من أمراض التطرف والطائفية. ومن هذا الفهم العميق، أصدر قراره التاريخي بإنشاء اتحاد علماء الدين الإسلامي في كوردستان، ليكون مرجعيةً علميةً ووطنية تجمع العلماء تحت راية الاعتدال والوعي، وتربط رسالتهم الدينية بالمشروع الإنساني لشعب كوردستان.
العلماء… ضمير الثورة وروح النهضة
في مسيرة كوردستان الطويلة، لم يكن العلماء رجال منابرٍ فحسب، بل حماة الضمير الجمعي للأمة.
كانوا يواجهون الظلم بالكلمة، وينشرون النور في زمن العتمة، ويربّون الأجيال على الإيمان الواعي لا الإيمان الخائف.
ولهذا، يرى مسرور البارزاني اليوم أن دعم العلماء والمؤسسات الدينية هو محور أي سياسة ناجحة لبناء مجتمع متماسك ومتسامح، وأن الحفاظ على دورهم في توجيه الأجيال ومواجهة التطرف الفكري هو جزء من نهج حكومي شامل، يدمج الدين بالحياة المدنية، ويجعل منه قوة للسلام والوحدة.
إنّ التعاون بين الأزهر الشريف وكوردستان اليوم هو تلاقي نهجين إنسانيين، يرفضان الغلو والتعصب، ويؤمنان بأنّ الدين رسالة لبناء الإنسان لا لتدميره، وأنّ قوة المجتمعات لا تُقاس بعدد الجيوش، بل بعمق فكرها وسموّ أخلاقها.
كوردستان… رسالة إلى العالم
ما تفعله كوردستان اليوم هو أكثر من سياسة، إنه موقفٌ إنسانيٌّ وأخلاقيٌّ ورسالة حضارية.
ففي زمنٍ تتساقط فيه قيم التسامح في كثير من بقاع الأرض، تنهض كوردستان لتقول إنّ الدين يمكن أن يكون جسرًا بين البشر لا جدارًا يفصلهم، وأنّ الوطن الحقيقي هو الذي يتّسع لكلّ مؤمنٍ بالإنسان أولاً.
حين تتعانق المآذن والأجراس في سماء أربيل، ويجلس المسلم والمسيحي والإيزيدي على مائدةٍ واحدة، ندرك أن كوردستان لا تبني فقط تجربة سياسية، بل تبني نموذجًا إنسانيًا للحياة المشتركة.
الخاتمة
كوردستان اليوم تعطي درساً للعالم بأنّ النهضة لا تُصنع بالسلاح وحده، بل بالفكر، وبالإيمان، وبالاحترام المتبادل.
منذ الزعيم ملا مصطفى البارزاني، الذي وحّد الدين والوطن في مشروعٍ واحدٍ للكرامة، إلى القيادة الحالية بقيادة مسرور البارزاني التي تواصل دعم العلماء والمؤسسات الدينية، ظلّ الاعتدال الديني سمةً أصيلة لهوية كوردستان.
فالعالم يتغير، لكن كوردستان تبقى ثابتة على مبدئها: أن الإنسان أقدس من الانتماء، وأنّ الإيمان حين يزرع النور، يحرّر ولا يقيّد، ويوحّد ولا يفرّق.
وهكذا، تبقى كوردستان وطنًا تتعانق فيه المآذن والأجراس، ويتصافح فيه الإيمان والحرية، منارةً للسلام في زمنٍ يشتاق إلى النور