جميل عودة ابراهيم
في كل يوم، وفي العديد من البلدان، تُسجل عمليات اعتداء وتجاوز على حقوق عدد من المواطنين. وهذا الاعتداء قد يصدر عن أجهزة الدولة أو أحد أفرادها بحق مواطن أو مجموعة من المواطنين. وقد يصدر عن مواطن أخر أو مجموعة مواطنين تجمعهم روابط دينية أو مذهبية أو قومية بحق مواطن أو مجموعة من المواطنين .
وهذا الاعتداء قد يصب المواطن نفسه مباشرة، مثل الاعتداء على شخصه أو الاعتداء على ماله، أو مشروعه. وقد يصب أحد أفراد عائلته أو جماعته، فيلحق به ضررا معنويا بالغا. وفي العادة فان مثل هذه الاعتداءات لا تمر مر الكرام، بل تتفاعل في الأواسط الاجتماعية. ويُرد على الاعتداء بالاعتداء، وتتحول بالتدريج هذه الاعتداءات المتبادلة إلى أعمال انتقامية متبادلة، ينتج عنها أعمال ترهيب، واعتداء جسدي أو معنوي، وتتطور إلى أعمال سطو ونهب وجرح وقتل، ناهيك عن أعمال التشهير المتبادل بين المتنازعين .
والسؤال هنا من هي الجهة المسؤولة عن حماية حقوق المواطنين وحريتهم؟ وكيف يمكن أن يطمئن المواطنون إلى هذه الجهة بحيث لا تتحول مثل هذه الأعمال اليومية إلى ظواهر مجتمعية مستحكمة، ينتصر فيها القوي على الضعيف، ويستعين الضعيف على القوي بقوة العائلة والجماعة والعشيرة والمنطقة والمذهب والدين، فتتحول تلك النزاعات إلى نزاعات دينية أو مذهبية أو مناطقية من دون ملاحظة مبدأ الحقوق والحريات، وهي من المبادئ التي ينبغي أن تستند إليها أي دولة، وأي مجتمع متحضر؟
لما كان أكثرية المجتمعات البشرية، في العصر الراهن، تعيش في ظل دولة، لها نظام وقانون خاص، ولها حكومة تتولى إدارة شؤونها على وفق الأطر الدستورية والقانونية، فان من الطبيعي القول إن الدولة بمعناها الأعم (السلطات الثلاثة) هي الجهة التي ينبغي أن تكون مسؤولة مباشرة عن تأمين حقوق مواطنيها والمقيمين فيها، وهي التي تتحمل دون غيرها توفير الأمن والحماية اللازمين للاستقرار الفردي والمجتمعي. وهنا فان السلطة التنفيذية (الحكومة) تتحمل القسط الأوفر من توفير هذه الحماية، لأنها المسؤول المباشر عن توفير الأمن والاستقرار للمواطنين.
وبناء عليه؛ فان الدولة أكانت دولة ديمقراطية أو شبه ديمقراطية، أو ملكية أو أميرية، أو دكتاتورية فإنها هي المسؤولة عن توفير هذه الحماية للمواطنين، فاذ احصل المواطن على الأمن والحماية المقررة قانونا فان الفضل لها، وإن حُرم المواطن منها فإنها هي المسؤولة عن فقدان هذه الحماية، وهي التي ينبغي أن تتحمل المسؤولية القانونية والشرعية والأخلاقية .
ولكن من الناحية الواقعية؛ لابد أن نفرق بين نوعين من تلك الاعتداءات والتجاوزات التي يتعرض لها المواطنون. النوع الأول من الاعتداء هو ذلك الاعتداء الذي يتعرض له المواطن عن طريق مواطن آخر أو جماعة من المواطنين
وسواء كان هذا الاعتداء مبررا أو غير مبرر، فان الحكومة مسؤولة عن حماية هذا الحق ابتداء واستمرارا، بمعنى أنها لا تسمح ابدأ ولا تعطي الضوء لأي مواطن أو جماعة من المواطنين بالاعتداء على بعضهم البعض تحت أي مبرر كان. وإذا ما حصل هذا الاعتداء فإنها تتصدى له، وتعد نفسها كأنها هي من أعتدي عليه لا المواطن، لأن المواطن داخل في حمايتها هي، وحقوقه وحرياته مسؤولة عن توفيرها هي .
وفي الغالب؛ فان السلطة القضائية التي تفصل في مثل هذه النزاعات والاعتداءات والتجاوزات تأخذ قوتها وهيبتها وإجراءاتها من قوة وهيبة وإجراءات الحكومة وجهة إنفاذ القانون فان كانت الحكومة قوية ومهيبة وحاسمة في رد الاعتداء وأخذ الحقوق فان القضاء والمحاكم تكون هي الأخرى قادرة على الفصل بين المتخاصمين وإحقاق الحقوق. والعكس صحيح أيضا، فان ضعف أجهزة نفاذ القانون تؤثر سلبا على إجراءات المحاكم بل تتحكم فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال التلاعب بمحاضر الشكاوى والدعاوى المرفوعة للقضاء، لأن السلطة والقضاء يتقاسمان النظر في مظالم الناس .
وكلما ضعفت أجهزة نفاذ القانون فان القوى المجتمعية الأخرى تجد نفسها راغبة أو مضطرة إلى أن تحل محل تلك الأجهزة، وتأخذ حق أتباعها وأنصارها بطريقة التي تراها ملائمة، فمثلا كلما ضعفت أجهزة الدولة في العراق وفقدت قدرها على حماية حقوق مواطنيها برزت العشيرة كخيار ضروري للدفاع عن أفرادها، أو برزت الجماعة المسلحة أو العصابات، وفرضت سطوتها على المجتمع، فتأخذ من هذا وتعطي لهذا من دون مراعاة النظام والقانون. وقد تصل -كما هو الحال- أن تأخذ العشيرة أو الجماعة المسلحة قرارها في قتل أو اغتيال مواطن، لأنه قام بفعل ترفضه العشيرة أو قام بعمل ترفضه تلك الجماعة المسلحة .
وفي مثل هذا النوع من الاعتداءات فان الحل الوحيد أمام الدولة أن تدفع باتجاه تقوية أجهزتها المكلفة بحفظ النظام، من خلال تأليف قوة نظامية مدربة على إنفاذ القانون، بغض النظر عن انتماء المعتدي، وقادرة على تمضية القانون، ومن خلال محاسبة كل من يتهاون في نفاذ القانون مسؤولا كان أو موظفا عاديا. وإتاحة المجال للقضاء للنظر بموضوع تلك النزاعات بصورة مجردة عن أي اعتبار غير اعتبار إحقاق الحق وإنصاف المظلوم، وإلا فان المواطن طالما يشعر أن أجهزة الدولة غير قادرة على أخذ حقه، أو يشعر المواطن المعتدي أن أجهزة الدولة لا تستطيع أن تحاسبه فان جميع المواطنين يلجئون إلى القوى المجتمعية التي على أهمية وجودها ولكن لا تحق الحقوق ولا تحفظ الحريات، ولن تكون بديلا عن الدولة .
ففي عام 2005، أعلنت الجمعية مبدأ (المسؤولية عن الحماية)، والمعروف أيضا بالمختصر(RtoP) ووفقاً لهذا المبدأ، تتحمل كل دولة مسؤولية (حماية سكانها من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية) وهذا لم يكن بالضرورة أمراً جديداً، لأن هذه المسؤولية تنبع مباشرة من الاعتراف الفعلي بحقوق الإنسان الأساسية بوصفها مبادئ أساسية للنظام القانوني الدولي. إلا أن العنصر الجديد في مبدأ المسؤولية عن الحماية هو التأكيد على أنه إذا لم تمتثل دولة ما لتلك المسؤولية، يجوز لمجلس الأمن أن يستخدم سلطاته بموجب الفصل السابع من الميثاق لحماية السكان المتضررين