د. ياسين الزيباري
نحن نعيش في زمان قد أصبح الإنسان فيه أحياناً ، و في بعض الأماكن ، يخشى من أقرب الناس إليه ، و قد يُسْكِن في داره شخصاً رأفـــــةً و رحمةً به ، ثم يدَّعي أنه صاحب الدار و يــغــتـــصبها ، و حدثــــت عوامل كـثـيـرة تـــُـــــفـــرّق بيــن أبــناء الشعب الواحد ، بل ربــــَّــما وصل الأمر إلى حدوث شرخ بيـن الأب ، و الإبن ، و الشقيق ، و الشقيق ، و الزوجة ، و الـــزّوج ، و قـلـَّما يـــجلــــس إثنان معاً ، إنْ لــَــــمْ يسأَلْـه عن مذهبه ، و دِينـــِـــه ، و قــَــومـِـيـَّــــتــِــه ، و عشيــرتـــِــــه ، كل ّ ذلك من أجل الخشية منه ، أو ربـــــَّــما الهروب منه ، أو الإعتداءِ عليه ، و فــــي هذا الصَّــــدد نــــورد قصة ربَّـــما كانت في يوم من الأيام شيئاً عادياً ، و لكن في مثل هذه الأيام في الـــعـــقـــد الأول و الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين الميلادي قد يكون للحدث المـــعــانـــــي الكبيرة .
هذه القصة وقـــعــت لــــــي و أنا في الـــعــقــد الثالث من عمــري ، و ذلك حينما كـنت في بغداد في عام ( 1985 م ) وكان الوقت بعد المغرب في شهر رمضان المبارك ، إذ حدث أنْ مررت في منطقة الكاظمية ، باب الدروازة ، و بعد أذان المغرب ، و لــم أفـــطــر بعد ، و من طبيعتي كلَّـما أَمـرّ بــمسجدٍ ، أو حسينيــَّـــة ، و قـــــَـــرب أو حــــان َوقــت الصلاة لا بدَّ أَنْ أُصلّـي ، و لا أستطيع أَنْ أتـجاوز الجامع ، أو الحسينية ، دون تفرقة بأَنَّ هذا المعبد لهذا ، أو لذاك ، و على هذا النهج دَخــلتُ في حسينية في مدينة الكاظمية ، بــبــاب الدروازة ، و لا أتذكر إسمها ، و بعدما أكملت صلاة المغرب رأيت رجلاً واقفاً بباب الحســيــنــيـــَّــة يصيح قائلاً :
(( رحم الله والد من يــُــــفطــِـــر عندنا )) و كــُــــنــّـــا مجموعــَــةً من المصليـــن فذهبنا معه ، و لا نعلم أين يأخذنا ، و ما ذا أَعــدَّ لنا ، و من هو ، و أَين منزله ، و دخـــلــْـــنــا معه في الأزقــــَّــــة الضيقة في البيوت القديمة في الكاظمية مقابل الجامع ، و دخلنا منزلاً قديماً ، ثم دخلنا في غرفة معيَّـنة من المنزل ، و رأيـــْـــنا أَنواعاً مـُـــنـَوّعـــَــةً من الأَطعمة البغدادية المــخـتـلـفــَـــة ، لا نستطيع عـدَّها ، و لا نعرف أَسماءَها ، و جلسنا معاً نتناول الإفطار ، بكل مـَــودَّة ٍو تـــَــقديـــر ، دون أَنْ يسأَل أَحدُنــــا الآخـــَـــر :
من أَين أَنت ….؟
و من أَين جئت …..؟
و مـــمَّ أَنت …؟
ثم بعد ذلك قدَّمــوا لنا أَنواعاً من الفاكهة ، ثــمَّ الشاي البغدادي و الذي كــنا نسمــَــعـــُـــه بـــَـــيـْـــن دقائـــِـــق ، و دقـائِــــق (( رحم الله والد من يأكل )) و كأَنَّــــنــــا جميعاً إِخوتـــُــــه ، و أَولادُ عــَـــمــِّـــــه ، و بعد ذلك قال صاحب المنزل :
أَرجو منكم أَنْ تقرأوا سورة الفاتحة على روح والدي فقط ، فقرأنا الفاتحة ، وصافحناه جميعاً ، و قـــــبَّــلـــنـــاه ، من دون أَن يعرف أَحدنا إسم الآخر :
موقف طـــَــيـــِّــــب لـــَــــن أَنساه أبـــداً ، لـــَــــن ْ أَنـساه أبـــَـــداً .