نزيف الكلمات 

دلزار اسماعيل رسول

القسم التاسع

احبب من شئت فإنك مفارقه…قالها الإمام من فوق المنبر…و نزلت لها دموعي…و تعجب الحاضرون من دموعي في خطبة الجمعة…لأنهم لا يعرفون قصتي
لم أفارقها لأنها فارقت الحياة…بل هي على قيد الحياة…ولكن رغم ذلك لا أستطيع التواصل معها…فقد بنت السنون و الايام…أسواراً عالية و قلاعا حصينة من الصعوبة بمكان على قلبينا تجاوزها…و فقدت المياه مسارها فبات من المستحيل بمكان أن تعود لمجراها إلا بفعل من بيده…كن فيكون…….
فارقتها…و فارقت روحي…لانه يأبى عدم التواصل معها…فوسواسي دائماً يخاطبها و يتبادلان الحديث و انا بينهما بلا حول ولا قوة…لا يمنعها قطع السبل المادية ولا العوارض الآنية…فتراني ارهف السمع لهما وهما يتبادلان الأحاديث…كأنهما حمامتان لا يحملان في نفسيهما الضغينة و العتاب….لقد تجاوزا كل شيء…ما اجمل أن نخرج من عالم الاجساد الى عالم الأرواح…
دخلت حياتي…ولا اقدر ان أخرجها منها…فقد اختلطت بي اختلاط العظم باللحم…و تسير في جسدي سريان الدماء في الاوصال و الأوردة….…
هذا ما يسمى الادمان…فلم اقدر على عدم الاعتياد عليها…فتراني رغم فترات البعد…أرنو اليها و ارغب في محادثتها و يشدني رغبة جامحة للاقتراب منها مرة ثانية…رغم قطع المواثيق و العهود على عدم الرجوع اليها…ولكني ارجع لها رغم تجريحها لي في كل مرة…لذلك انا اعترف اني مدمن من الدرجة الأولى وبلا منازع و أتحدى اي شخص يقدر على شفائي من براثن حبها…..…
كم فتشت في بطون امهات الكتب القديمة و الحديثة …و كم خاطبت الحكماء و الأطباء…ممن اعرفهم و ممن لا اعرف…حتى فقدت الحياء…امام الأغراب ايضاً…فوصفت لهم حالتي…علنّي اجد شفائي بيد عابر سبيل لا اعرفه ولا هو يعرفني….…
كم يصعب على نفسي…الخسارة و الخذلان في كل مرة أخوض غمارها، و أعيد الكرّة في دخول دهاليز قلبها ، ولكن في كل مرة يرتطم راسي بحاجز الصد و الهجر و عدم الاكتراث….…

احيانا ارثي لحالها اكثر من حالي…فقد حطمت حياتها مثل ما حطمت حياتي…و شوهت مسقبلها و بات شبيها بمستقبلي…احيانا…تأتيب الضمير يقتلني…حتى ان احد الأدباء قال لي…عجبت لك…كيف لا تعاقر الخمر…و انت تحمل بين طيات صدرك هذا الكم الهائل من المشاعر…سوف يقتلك….فعلا سوف يقتلني….…
قولوا لي بربكم اين الدواء و اين الدرب لبرئي منها…فلم ينفع قربي منها…ولا بعدي عنها…فهي شاخصة امام ناظري…و قلبي لا يفارقها….…

قد يعجبك ايضا