صادق الازرقي
كان موسم الطيور المهاجرة إلى العراق يتركز في فصلين رئيسين، الخريف الذي كان يبتدئ من أيلول حين كانت اقصى حرارة في الصيف لا تتجاوز 43 درجة الى تشرين الثاني، اذ تصل الطيور من أوروبا وروسيا للبحث عن الدفء والغذاء، حيث تصل الطيور إلى العراق للاستقرار في مناطق مثل الأهوار الجنوبية لقضاء الشتاء؛ وهناك موسم الربيع من آذار الى مايس، تعود الطيور إلى مناطق تكاثرها، في الشمال، وقد تتوقف لمدد قصيرة في العراق للتغذية والراحة، وتعد الأهوار الجنوبية والمناطق الجبلية الشمالية من أهم نقاط استقرار هذه الطيور.
ولكن يظهر ان نهاية هذا الصيف لن يشهد عودة مبكرة للطيور، او هي تبحث عن اماكن أخرىغير العراق، اذ سبق ان ذهبت الطيور التي اعتادت الهجرة للعراق الى تركيا بسبب طول مدة الصيف في العراق.
ان انحسار أعداد الطيور المهاجرة في أهوار جنوبي العراق يعود بشكل رئيس إلى تدهور البيئة الطبيعية للأهوار، وهناك عوامل رئيسة متداخلة من ذلك التغيرات المناخية والجفاف وشح المياه.
ويعد هذا العامل الأكثر تأثيرا، اذ أن الطيور المهاجرة (بخاصة الطيور المائية) بحاجة إلى المسطحات المائية والنباتات (القصب والبردي) كمكان للراحة والغذاء وبناء الاعشاش.
أدت التغيرات المناخية، مثل ارتفاع درجات الحرارة وقلة الأمطار، إلى انخفاض مناسيب المياه في الأهوار الوسطى والجنوبية، وهو ما تفاقم بسبب نقص الإطلاقات المائية من نهري دجلة والفرات نتيجة للسدود والسياسات المائية الخارجية وفقر السياسات الداخلية.
ونتج عن جفاف الأهوار فقدان نباتات القصب والبردي، وهي المكون الأساسي لموائل الطيور المائية، والجفاف وارتفاع درجات الحرارة تسببا في نفوق الأسماك ونقص الأوكسجين في المياه، ما أثر مباشرة على مصادر الغذاء الرئيسة للطيور المهاجرة.
وشكل الصيد الجائر تهديدا مباشرا لأعداد الطيور التي تنجو وتصل إلى مناطق الأهوار، اذ يجري صيد أعداد كبيرة من الطيور المهاجرة والمحلية بشكل غير قانوني وبطرق غير صحية، مما يهدد بانقراض أنواع نادرة، كما ان ضعف التشريعات والرقابة الحكومية، فضلا عن نقص الوعي البيئي لدى البعض، يفاقم من مشكلة الصيد، اذ تستعمل أحيانا طرق صيد محظورة كالسموم والمبيدات.
ان انخفاض مناسيب المياه يرفع من حدة التلوث البيئي في المسطحات المائية المتبقية، فتغدوالمياه غير صالحة لعيش الكائنات الحية، مما يدفع الطيور للبحث عن مسارات ومحطات استراحة بديلة.
وبرغم إدراج الأهوار في لائحة التراث العالمي عام 2016، إلا أن الآثار التاريخية لعمليات التجفيف التي تعرضت لها الأهوار في التسعينات أدت إلى تدهور طويل الأمد في النظام البيئي، مما جعلها أكثر عرضة للتأثر بالجفاف الحالي.
هذه العوامل مجتمعة دفعت بعشرات ألوفالطيور المهاجرة إلى الهجرة الجماعية والبحث عن أماكن أخرى أكثر ملاءمة لها على طول مسار هجرتها السنوي.
كانت الأهوار الجنوبية في ميسان وذي قار والبصرة، تستقطب غالبية الطيور المائية المهاجرة، بما في ذلك البط والإوز والخضيري وام سكة وغيرها، والمغردة مثل البلبل والهدهد، وكذلك السمان، القطا، والفلامنكو، وغيرها، وأيضا في الأهوار الشمالية والوسطى، مثل الحويزة والدلمج، وفي إقليم كوردستان، الذي كانيشكل ملاذا للطيور الجارحة مثل النسور.