زواج الشيخ والشيخة

ياسين الزيباري

هناك بعض العوائل إلى هذا العصر يمنعون الأرمل و الأرملة من الزواج مــَــرّة ثانيـــة ، إذا فقد الطرف الثاني ، فإذا تــــَــزوج إنسان كبير في السـنّ يكـــون شيئاً غريباً ، و يكون الأمر أغرب من ذلك إذا كانت المرأة المسـِـــنــَّــة تــــقـــوم بـــذلك ، و على خلاف هذه القاعدة حدث زواج شيخ و شيخة ، و ســـُمــِّــــيت الأرملة في اللغة العربية ( رقوباً ) وهي التي تترقب الزواج ، و وتنتظر المعروف ، وقد لا يكون لها كسب ، و ليس لها كاسب ولا ولد ، ( كتاب العين ، الفراهيدي ، ( ت 170هـ) ، 5/ 155 ) .

و فـــي هذا كانت القصة تبدأ : أنه كان الزوج خارج المنزل يخرج صباحاً ، و يعود قبيل المغرب ، و لكن اتصلت به زوجته وسط النهار ، لدينا ضيوف أتــــوا من بعيد ، قد ترجع إلى المنزل مبكراً ، و على هذا الأساس أسرع للذهاب إلى المنزل ، و لــــَــمــّـــا وصل إلى المنزل رأى شيخاً مسنـــاً ذا اللحية البيضاء الطويلة ، بعد السبعين من عمره ، من معارف أبيـــه ، و مـــعه شيخــــة مــُـسـِــنــَّـــة أيضاً بعد السبعين تــــرتـــدي ثياباً بيضاء ذات سمة إيـــمانيــــَّــــة ، فرحـــَّـب بـــِــهـــِــم أجمل ترحيب ، و هو يــــراهــما كالبلابل متقاربين في الجلوس ، و يــَــنــظـــُـــر أحدهما إلى الآخر، و لــــَـــم يستطع السؤال عن هذه المرأة الوقورة وهو يعلم أن ّ زوجة الشيخ قد توفـــيــَّــت قبل فترة من الزمـــَـــن ، فبادر الشيخ بالكلام .

و قال هذه زوجتي الجديدة ، فبارك لهما ، و تناولا طعام الغداء ، و تــــَــم ّ تبادل الأحاديث الطيبة ، و بارك لهما و أخبـــرهما أنـــــَّــــهما لم يـــزلا شباباً ، و مـــــِـــن جميل الكلام أخبــرهم صاحب المنزل أن يــبــيــتا في مــــنـــزلهـــم و يأخذهم إلى الأماكن السياحية في بغداد ، لأنــــَّــــهـــم أتــــَــوا من مكان بعيد ، و قال .. لا ..لا … إن منزل أخيها موجود في بغداد ، و نــَــحـــْـــن جئنا بمناسبة الإحتفال بالسبعانية ، أي الإحتفال بمرور سبعة أيام على الزواج ، و قد قطع لنا تذكرة السفرة بالطائرة ، من الموصل إلى بغداد ذهاباً ، و إيــــّـابـــــــاً ، و تـــَـــم ّ توديعهما .

و مـــِـــن ظريف الصــِّـــدف أنهما عاشا معاً أجمل أيامهما ، و عندما تـــُــــوفـــــِّـــي الزوج ، توفيت بعده الزوجة ولم يمض أسبوع على وفاة الشيخ ، رحمهما الله برحمته الواسعة . نــــفهم من هذه القصة الحالة الطبيعية الإسلامية التي ينبغي أن يسير عليها المجتمع إقتداء بالنبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) الذي لم يمنعه التقدم في السن لدى المرأة في الزواج ، و على عكس مانــــراه من محاربة الأهل والأولاد ، و تعييب الأقــــربــــاء ، و المعارف للرجل والمرأة حينما يــــَــهــُـــمّ طرف بالزواج ، ولاسيما في زمن تــــَــمرّد الأولاد على الوالديــــن بشكل عام !

و وردت آثار كثيرة عن الزواج في أواخر العمر ، فقَالَ فقيه الأمة والصحابي الجليل والمقرئ والمحدث عبد الله بْنُ مَسْعُودٍ ( ت 32هـــ- 653 م ) (( لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَجْلِي إِلَّا عَشَرَةُ أَيَّامٍ ، وَأَعْلَمُ أَنِّي أَمُوتُ فِي آخِرِهَا يَوْمًا ، لِي فِيهِنَّ طَوْلُ النِّكَاحِ ، ‌لَتَزَوَّجْتُ مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ )) ( سنن سعيد بن منصور بن شعبة ، (ت 227 هـ) ، 1/ 164 ) ، وروي عن رَسُولُ اللَّهِ ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : (( السَّاعِي عَلَى ‌الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ كَالْقَائِمِ لَيْلَهُ وَالصَّائِمِ نَهَارَهُ ، وَأَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ الْمُصْلِحُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ )) ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ ( الجامع : معمر بن راشد الأزدي ، 11/ 299 ) .

قد يعجبك ايضا