الناقد الدكتور رشيد هارون سليل الحرف وعاشق النقد المتجدد

محمد علي محيي الدين

في عالم الثقافة، ثمّة وجوهٌ لا تلمع فحسب، بل تضيء دروب الآخرين، وتفتح مغالق النصوص، وتغور في أعماق اللغة لتستخرج من جوفها أسئلتها الكبيرة. ومن بين هؤلاء، يتقدم الناقد الدكتور رشيد هارون بوصفه أحد الأصوات الثقافية التي جمعت بين الشاعرية والناقدية، وبين حسّ المعلم ورؤية الباحث، فكان حضوره امتدادًا لوعيٍ طويل تشكّل في مفاصل المدن العراقية: من الديوانية إلى الحلة، ومن بغداد إلى السليمانية.

وُلد في الديوانية يوم 1 تموز عام 1962، ونشأ في أفياء الحلة، المدينة التي اتخذت من التأريخ رداءً ومن الثقافة سكنًا دائمًا. هناك درس في مدارسها، وبدأ تشكُّل وعيه الأول بالحرف والمعنى. تخرّج من الفرع الأدبي في إعدادية الفيحاء عام 1983، قبل أن ينضم إلى معهد إعداد المعلمين المركزي في بغداد، ويتخرج منه عام 1986، ليبدأ حياته المهنية في التعليم. لم يكن التدريس عنده مهنةً فحسب، بل رسالةً ومرآةً لصقل الذات وتأمل الحياة عبر مرآة اللغة.

رشيد هارون ليس ناقدًا ولد في قاعة الدرس، بل تشكّل نقده في الميدان، بين صفحات الشعر العراقي، وفي حضرة نصوص المدن وذاكرة القرى. حصل على إجازة دراسية، فدخل قسم اللغة العربية في كلية التربية بجامعة بابل، وتخرّج فيه عام 1998، ثم واصل دراساته العليا، لينال الماجستير في النقد الأدبي الحديث عام 2004، فالدكتوراه في فلسفة اللغة العربية وآدابها من الجامعة المستنصرية عام 2012.

هذه الرحلة الأكاديمية لم تكن بعيدة عن تجربته الثقافية، بل كانت انعكاسًا لها، فقد جمع بين دربة الشاعر وصرامة الباحث، بين الذائقة الجمالية وأدوات التحليل المنهجي. وبهذا التوازن، استطاع أن يقدم مشروعًا نقديًا متينًا لم ينقطع عن الحقل الثقافي، بل تماهى معه.

ليست مؤلفات الدكتور رشيد هارون سوى شواهد على تعددية اشتغالاته: من الشعر إلى النقد، ومن النص السيري إلى المقالة. فهو الشاعر الذي كتب “حين يهرم الكلام” و”القبل تخمد جمر الشعر”، والكاتب الذي أنجز نصوصًا سيرية تنبض بالتأمل مثل “أذكر أني” و”المسير بهذا الاتجاه”، والناقد الذي خاض في أعماق النصوص مثل كتابه “مصادر الصورة في شعر حميد سعيد” و”نقد النقد.. تأصيل نظري ودراسة تطبيقية في منجز ياسين النصير”.

وقد كانت نصوصه تنفتح على الذات، لا من باب التباهي، بل من باب البوح الذي يعيد للكتابة صدقها الأول. كما كتب في النصوص الكردية في كتابه “دهشة الجبل”، وتناول الشعري والسياسي، وتفاعل مع النصوص من منظور يربط السياق بالمبنى، والمعنى بالمكان.

النقاد الذين كتبوا عن رشيد هارون، أجمعوا على أنه يمثل “الناقد القارئ”، الذي لا يتعامل مع النص بمنطق الأداة وحدها، بل بمنطق الإحساس أولاً، ثم التحليل. فقد وصفه بعضهم بأنه “عين ثالثة” ترى ما لا يراه الآخرون في النصوص الشعرية، بينما اعتبره آخرون حلقة مهمة في سلسلة النقد العراقي المعاصر لما يملكه من قدرة على قراءة النص من الداخل، دون فرض قوالب جاهزة عليه.

كتب عنه الدكتور صباح نوري المرزوك في أكثر من مؤلف، أبرزها: “شعراء الحلة أو تكملة البابليات”، و*”النهضة الفكرية في الحلة”، و”حلة بابل أو بغداد الصغرى”*. كما أفرد له الدكتور عبد الرضا عوض ترجمة في كتابه “أدباء بابل وكتابها المعاصرون”، مما يشير إلى التقدير الذي يحظى به في أوساط النخب الثقافية ببابل والعراق عمومًا.

في كتابه “المسير بهذا الاتجاه”، والذي حمل مدونات القرية والمدينة، تتضح ملامح الرؤية الثقافية عند رشيد هارون: هو ابن الريف، لكنه لا ينعزل عن هموم المدينة. يكتب عن القرى لا بحنين رومانسي، بل بوصفها مكانًا لتشكُّل الذات، كما يكتب عن المدن بصفتها فضاءات لصراع القيم وتحولات الإنسان.
لقد ظل مشغولاً بالهوية الثقافية العراقية، ليس فقط من خلال النقد، بل عبر حضور متواصل في المهرجانات الأدبية، والندوات، والحوارات الإذاعية والتلفزيونية. كان حاضرًا في مهرجانات كلاويز، وفي ملتقيات الشعر والنقد، ليس بوصفه ضيفًا، بل كجزء من نسيجها البنيوي.

ورشيد هارون ليس مجرد ناقد أكاديمي، بل هو كاتب يعيش في قلب النص، يتعامل معه ككائن حيّ، يتنفس ويقلق، ينمو ويتحوّل. هو صوت من أصوات بابل المعاصرة، لكنه يتجاوز الجغرافيا إلى أسئلة الكينونة واللغة والجمال.

وفي زمن عزّ فيه الناقد المحب للنص، والباحث عن المعنى قبل الشهرة، يشكّل رشيد هارون نموذجًا للكاتب الذي ظل يكتب كما يُعلّم: بهدوء، وعمق، وأمانة لا تهادن.
المؤلفات المنشورة للدكتور رشيد هارون
    حين يهرم الكلام، مجموعة شعرية، 2000م.
    أذكر أني، نصوص سيرية، 2007م.
المسير بهذا الاتجاه: مدونات القرية والمدينة ونصوص سيرية، 2008م.
    القط والفار: مقالات في الشعر العراقي، ضمن سلسلة خاصة بمهرجان كلاويز الثاني عشر، السليمانية، 2008م.
    دهشة الجبل: السياسي والفني في الأدب الكردي، ضمن سلسلة مهرجان كلاويز الثالث عشر، السليمانية، 2009م.
    مصادر الصورة في شعر حميد سعيد، دار المركز الثقافي للطباعة والنشر، بابل، 2010م.
    القبل تخمد جمر الشعر، مجموعة شعرية، دار الأرقم للطباعة، الحلة، 2013م.
    أصداء الصمت، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 2014م.
    نقد النقد: تأصيل نظري ودراسة تطبيقية في منجز ياسين النصير، دار المركز الثقافي للطباعة والنشر، بابل، 2016م.

قد يعجبك ايضا