الاتجار بالبشر: مفهومه.. تاريخه والتبعات المترتبة على المجتمعات وأطر منعه

 

إعداد ـ التآخي

الاتجار بالبشر هو استغلال الأفراد عن طريق الإكراه أو الخداع أو القوة لغرض تحقيق منفعة مادية. إنه شكل حديث من أشكال الرق، ويشمل مجموعة واسعة من الأنشطة الإجرامية مثل العمل القسري، الاستعباد الجنسي، الاسترقاق، أو حتى نزع الأعضاء. تُعد حالات بيع الآباء لأبنائهم واستغلال العاملات الأجنبيات بأجور زهيدة في العراق أمثلة واضحة على الاتجار بالبشر لأنها تتضمن استغلالا وخداعا لأفراد ضعفاء بهدف تحقيق مكاسب غير مشروعة.

​و​الاتجار بالبشر لا يقتصر على شكل واحد، بل يظهر بأشكال متعددة، منها: ​الاتجار لأغراض العمل القسري بإجبار الأشخاص على العمل في ظروف غير إنسانية وبأجور زهيدة أو بدون أجور، وغالبا ما يتم حجز وثائقهم الشخصية للتحكم بهم.

​الاتجار لأغراض الاستغلال الجنسي: إجبار الأفراد على ممارسة الدعارة أو غيرها من الأنشطة الجنسية التجارية، وغالبا ما يتم ذلك عبر الخداع أو الابتزاز.

​الاتجار لأغراض النخاسة والاسترقاق: بيع وشراء الأشخاص كسلعة، وهذا ما يحدث في حالات بيع الأطفال المولودين حديثا؛ ​الاتجار لأغراض نزع الأعضاء: استغلال الأفراد لبيع أعضائهم بشكل غير قانوني، ويتم ذلك عادة عبر الإكراه أو الخداع.

الاتجار بالبشر عبر التاريخ

الاتجار بالبشر ليس ظاهرة حديثة، بل يعود إلى عصور قديمة في التاريخ البشري، وارتبط تاريخيا بممارسات العبودية.

العبودية في العصور القديمة: كانت الحضارات القديمة مثل الحضارة الرومانية والحضارة المصرية القديمة تعتمد بشكل كبير على العبيد في أعمال الزراعة والبناء والخدمة في المنازل. كانت الحروب وسيلة رئيسة للحصول على العبيد، حيث كان الأسرى يباعون ويشترون كسلعة.

تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي: تُعد هذه الحقبة من أشهر الأمثلة على الاتجار بالبشر في التاريخ الحديث.  خلال القرنين السادس عشر والتاسع عشر، جرى نقل ملايين الأفارقة قسرا إلى الأمريكيتين للعمل في مزارع قصب السكر والقطن وغيرها من الأعمال الشاقة. كانت هذه التجارة تجري على نطاق واسع، وشكلت أساسا اقتصاديا لعديد الدول الاستعمارية.

 

 

العبودية في العصر الحديث: برغم إلغاء العبودية بشكل رسمي في معظم دول العالم، إلا أن أشكالها الحديثة استمرت وتطورت لتأخذ أشكالا جديدة مثل السخرة، عمالة الأطفال، والاتجار بالبشر لأغراض جنسية، وهي الممارسات التي لا تزال قائمة حتى اليوم في شتى أنحاء العالم.

الاتجار بالبشر هو جريمة بشعة وانتهاك صارخ لحقوق الإنسان، وله نتائج وتأثيرات سلبية وواسعة النطاق على جميع مستويات المجتمع. تكمن خطورته في أنه يمس أمن الدول واستقرارها من خلال تدمير النسيج الاجتماعي، وزيادة الجريمة المنظمة، وتأجيج الفساد.

الآثار الاجتماعية تتمثل في تفكك الأسر والمجتمعات، اذ يترك الاتجار بالبشر وراءه ضحايا يعانون من صدمات نفسية وجسدية عميقة، مما يؤدي إلى تفكك الأسر وعدم قدرتهم على الاندماج مجددا في مجتمعاتهم.

تآكل القيم الإنسانية، اذ تكرّس هذه الجريمة فكرة أن الإنسان يمكن أن يُصبح سلعة تُباع وتُشترى، مما يقلل من قيمة الكرامة الإنسانية ويضعف القيم الأخلاقية في المجتمع.

زيادة الفئات الضعيفة: يستغل المتاجرون الفئات الأكثر ضعفا مثل الأطفال، والنساء، واللاجئين، والمهاجرين، مما يزيد من معاناتهم ويجعلهم عرضة للاستغلال مرة أخرى.

الآثار الاقتصادية و تتمثل في تشكل اقتصاد الظل، اذ تُعد هذه الجريمة من أكثر أشكال الجريمة المنظمة ربحا بعد تجارة المخدرات والسلاح، مما يخلق اقتصادا موازيا غير قانوني يهرب من الضرائب والرقابة الحكومية.

خسارة رأس المال البشري: يمنع الاتجار بالبشر الأفراد من الاسهام في التنمية الاقتصادية لمجتمعاتهم، مما يؤدي إلى خسارة كبيرة في رأس المال البشري والإنتاجية.

تكاليف الرعاية والدعم: تتحمل الدول والمجتمعات تكاليف هائلة لرعاية ودعم ضحايا الاتجار بالبشر، سواء من خلال توفير الخدمات الصحية والنفسية أو برامج إعادة التأهيل.

الآثار الأمنية والسياسية تبرز في التهديد للأمن القومي، اذ يُشكل الاتجار بالبشر تهديدا مباشرا للأمن القومي للدول، لأنه غالبا ما يكون مرتبطا بشبكات إجرامية عابرة للحدود، مما يجعله تحديا أمنيا معقدا يتطلب تعاونا دوليا.

وتزدهر هذه الجريمة في بيئات يسودها الفساد، حيث يتواطأ بعض المسؤولين الحكوميين مع العصابات الإجرامية لتسهيل أنشطتهم، مما يقوّض سيادة القانون وثقة المواطنين بمؤسسات دولتهم.

و تواجه الدول تحديات في صياغة وتطبيق قوانين فعّالة لمكافحة الاتجار بالبشر، وحماية الضحايا، وملاحقة المجرمين، خاصة أن هذه الجريمة تتطور وتستفيد من التكنولوجيا الحديثة.

يمنع القانون الدولي لحقوق الإنسان الممارسات المرتبطة بالاتجار مثل الاستعباد، والاسترقاق، والزواج القسري، والاستغلال الجنسي للأطفال، وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وتشمل أركان جريمة الاتجار بالأشخاص، وفقا لبروتوكول باليرمو،  الفعل، هو الفعل المادي المتمثل في تجنيد، أو نقل، أو تنقيل، أو إيواء، أو استقبال الأشخاص و الوسيلة، تُستخدم لتحقيق الفعل، وتشمل القوة، أو التهديد بها، أو القسر، أو الخداع، أو الاحتيال، أو استغلال الضعف أو الحاجة، أو استغلال السلطة، أو إعطاء أو تلقي المال أو المزايا للحصول على موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر

 

 

وتشمل أيضا الغرض، وهو الاستغلال، والذي يشمل كحد أدنى الاستغلال الجنسي، والسخرة القسرية، والاستعباد، والرق، ونزع الأعضاء و استغلال الضعف، يشمل استغلال شخص لكونه ضعيفا جسديا أو عقليا، أو ضعيفا بسبب ظروفه المكانية أو الظرفية، مثل العزلة الاجتماعية أو الاقتصادية، و الممارسات التمييزية، و تتمثل في العوامل الاجتماعية والاقتصادية، مثل الفقر والتمييز على أساس الجنس أو الأصل العرقي، تزيد من خطر التعرض للاتجار

الاستغلال دون استخدام وسائل، و يُعد تجنيد طفل أو نقله أو استغلاله لغرض الاستغلال اتجارا بالأشخاص حتى لو لم يتضمن استخدام أي من الوسائل المذكورة أعلاه، وذلك نظرا لحداثة سن الضحية.

 

التعامل مع الاتجار بالبشر والتشريعات

 

تهدف التشريعات الدولية إلى منع الاتجار، وحماية ضحاياه، ومساعدتهم

وتفرض العديد من الدول عقوبات صارمة على مرتكبي جرائم الاتجار بالأشخاص، حيث تصل إلى السجن مدى الحياة في بعض الحالات، بالإضافة إلى غرامات مالية

ويطرح تساؤلا مهما مرتبطا بمدى إمكانية إقرار المسؤولية الدولية على الدول في حال تقاعسها عن التزامها الدولي في حماية حق الانسان وسلامته الجسدية من جريمة الاتجار به والتزامها الاخر المتضمن مكافحة هذه الجريمة كونها تعد انتهاكا صريحا للقواعد الامرة في القانون الدولي والتي تهدد سلامة المجتمع الدولي وصحته، وعلاقة السيادة الوطنية بضمانات حماية حقوق الانسان في داخل التشريعات والمواثيق الوطنية.

جرى اعتماد اتفاقية أسوأ أشكال عمل الأطفال من قبل منظمة العمل الدولية (ILO) في عام 1999 باعتبارها اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 182. ومن خلال التصديق على هذه الاتفاقية، تلتزم الدولة باتخاذ إجراءات فورية لحظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والقضاء عليها، بما في ذلك العبودية والاتجار والعمل القسري. وقعت جميع الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية على هذه الاتفاقية ابتداء من 4 آب 2020.

ويتواجد أيضا بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال (بروتوكول باليرمو)، وهو بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال، و بروتوكول TIP هو بروتوكول لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية. وهو أحد بروتوكولات باليرمو الثلاثة.

تم اعتماد البروتوكول من قبل الأمم المتحدة، الجمعية العامة في عام 2000 ودخل حيز التنفيذ في 25 كانون الاول 2003. وقد تم التصديق عليه من قبل 178 طرفا حتى نيسان2022.

ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) مسؤول عن تنفيذ البروتوكول. يساعد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الدول على صياغة القوانين وإنشاء استراتيجيات وطنية شاملة لمكافحة الإتجار بالبشر ويساعد في توفير الموارد المطلوبة لتنفيذها.

ويلزم البروتوكول الدول بمنع ومكافحة الاتجار بالأشخاص، وحماية ضحايا الاتجار ومساعدتهم، وتعزيز التعاون بين الدول لتحقيق هذه الأهداف.

وتتواجد اتفاقية مجلس أوروبا بشأن إجراءات مكافحة الاتجار بالبشر هي معاهدة شاملة تركز على حماية ضحايا الاتجار وحماية حقوقهم. ويهدف أيضا إلى منع الاتجار بالبشر وملاحقة المتاجرين. وتنطبق الاتفاقية على جميع أشكال الإتجار بالبشر.

ولضمان التنفيذ الفعال لأحكام الاتفاقية، هناك آلية للرصد. وتتألف هذه الآلية من فريق الخبراء المعني بإجراءات مكافحة الاتجار بالبشر،42 وفريق متعدد التخصصات يضم 15 خبيرا مستقلا ولجنة الأطراف في الاتفاقية.

وثمت هناك التوجيه 2011/36/قرار الاتحاد الأوروبي الصادر عن البرلمان الأوروبي والمجلس بتاريخ 5 نيسان 2011 بشأن منع ومكافحة الاتجار بالبشر وحماية ضحاياه، واستبدال القرار الإطاري للمجلس لعام 2002، ينطبق على الشركات متعددة الجنسيات التي لها تواجد في أوروبا.

وينص التوجيه على تشريعات ملزمة لمنع الاتجار، ومحاكمة المجرمين بشكل فعال، وحماية الضحايا بشكل أفضل بما يتماشى مع أعلى المعايير الأوروبية. وهو يتخذ نهجا يركز على الضحايا، بما في ذلك منظور النوع الاجتماعي، لتغطية الإجراءات في مجالات مثل أحكام القانون الجنائي، ومحاكمة الجناة، ودعم الضحايا’ وحقوق الضحايا’ في الإجراءات الجنائية، والوقاية، ومراقبة تنفيذه.

وفي 16حزيران 2011، أعلنت الأمم المتحدة وقد أيد مجلس حقوق الإنسان بالإجماع الأمم المتحدة، المبادئ التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان (UNGPs)، مما يجعل الإطار أول مبادرة لمسؤولية الشركات في مجال حقوق الإنسان يتم اعتمادها من قبل الأمم المتحدة.

والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة هي أداة تتكون من 31 مبدأ تنفذ إطار “الحماية والاحترام والانتصاف” بشأن قضية حقوق الإنسان والشركات عبر الوطنية وغيرها من مؤسسات الأعمال؛ وتشتمل خطط الأمم المتحدة العامة على ثلاث ركائز تحدد كيفية تنفيذ الدول والشركات للإطار، واجب الدولة في حماية حقوق الإنسان، مسؤولية الشركات عن احترام حقوق الإنسان، الوصول إلى سبل الانتصاف لضحايا الانتهاكات المتعلقة بالأعمال التجارية، ويتواجد أيضا بروتوكول منظمة العمل الدولية لاتفاقية العمل الجبري، ولم تصادق الولايات المتحدة على هذه المعاهدة؛ و اتفاقية العمل الجبري، هو الاتفاقية المتعلقة بالعمل الجبري أو الإلزامي، 1930 (رقم 29)، هي واحدة من ثماني اتفاقيات أساسية لمنظمة العمل الدولية (ILO).

وتهدف الاتفاقية إلى قمع استخدام العمل الجبري بجميع أشكاله بغض النظر عن طبيعة العمل أو قطاع النشاط الذي يجوز القيام به فيه. تم اعتماد الاتفاقية في جنيف في 28 حزيران 1930، ودخلت حيز التنفيذ في 1 مايس 1932، وقد جرى استكمال الاتفاقية باتفاقية إلغاء العمل الجبري لعام 1957 التي ألغت عددا من الاستثناءات في اتفاقية عام 1930، مثل معاقبة الإضرابات وتبني آراء سياسية معينة.

وفي عام 2014، وافقت منظمة العمل الدولية على اعتماد بروتوكول وتوصية يكملان اتفاقية عام 1930 (بصيغتها المعدلة) ويكملان الصكوك الدولية القائمة من خلال توفير إرشادات محددة بشأن التدابير الفعالة التي يتعين اتخاذها للقضاء على جميع أشكال العمل القسري.

ويعد بروتوكول اتفاقية العمل الجبري لعام 1930 صكا ملزما قانونا يتطلب من الدول اتخاذ تدابير فيما يتعلق بالوقاية والحماية والانتصاف لتنفيذ التزام الاتفاقية بقمع العمل الجبري. وهو يكمل اتفاقية العمل الجبري لعام 1930 (رقم 29) بحيث لا يمكن إلا للدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية التي صدقت على الاتفاقية التصديق على هذا البروتوكول. وتظل الاتفاقية نفسها مفتوحة للتصديق.

 

توفر توصية العمل الجبري (التدابير التكميلية) لعام 2014 (رقم 203) إرشادات عملية غير ملزمة في مجالات الوقاية وحماية الضحايا ووصولهم إلى العدالة وسبل الانصاف والإنفاذ والتعاون الدولي. وهو يكمل كلا من البروتوكول والاتفاقية.

في ايلول 2015، اعتمدت الجمعية العامة خطة التنمية المستدامة لعام 2030. أهداف التنمية المستدامة (SDGs) هي مجموعة من 17 هدفا عالميا مترابطا مصممة لتكون “مخططا لتحقيق مستقبل أفضل وأكثر استدامة للجميع” سيتم تحقيقه بحلول عام 2030. ولكل من هذه الأهداف أهداف تعتمد جزئيا على النتائج.

 

 

الاتجار بالبشر واهداف التنمية

 

يتم تعريف الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة على النحو التالي: “تعزيز النمو الاقتصادي المستدام والشامل والمستدام، والعمالة الكاملة والمنتجة، والعمل اللائق للجميع”. يتضمن الهدف 8 من أهداف التنمية المستدامة الهدف 8.7، اللذان ينصان على أنه ينبغي للدول “اتخاذ تدابير فورية وفعالة للقضاء على العمل القسري، وإنهاء العبودية الحديثة والاتجار بالبشر وتأمين حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والقضاء عليها، بما في ذلك تجنيد واستخدام الجنود الأطفال، وبحلول عام 2025 إنهاء عمل الأطفال بجميع أشكاله”.

يتم تعريف الهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة على النحو التالي: “تعزيز المجتمعات السلمية والشاملة من أجل التنمية المستدامة، وتوفير الوصول إلى العدالة للجميع وبناء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة وشاملة على جميع المستويات.” الهدف 16.2 يدعو الدول إلى “إنهاء سوء المعاملة والاستغلال والاتجار وجميع أشكال العنف ضد الأطفال وتعذيبهم”.

 

قد يعجبك ايضا