أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وأثرها في صيانة وتعزيز الحقوق والحريات

د. علاء إبراهيم

تتزايد يومياً استعمالات التقنيات التكنولوجية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في كل الميادين وتتوسل الكثير من الهيئات العامة والخاصة في إنجاز مهامها بتلك التطبيقات لتحقيق الكفاءة في العمل وإحراز السرعة والدقة والكفاءة، كما تهدف بعض الأجهزة الأمنية والاستخبارية إلى تحقيق الاختراق في صفوف المجتمعات أو الدول والجيوش الأخرى من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي .

لذا بات التعرف على عواقب الركون إليها واجباً والتعرف على تأثيراتها الإيجابية منها أو السلبية أمر بغاية الأهمية والخطورة، ومن جانبها بادرت اليونسكو بوصفها أحد أهم أذرع الأمم المتحدة إلى إصدار توصية بخصوص أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، كما عمدت الدول الأوربية إلى إصدار لائحة خاصة تسترشد بها دول الاتحاد عند وضع قوانينها الوطنية المنظمة لهذه الخوارزميات .

ومن المعروف ان أي تغيير ثقافي أو معرفي أو تقني لابد ان يلقي بظلاله على المجتمعات البشرية ويؤثر بشكل مباشر على الفرد والمجتمع والبيئة والعلاقات الدولية، ولذا ننطلق من حديثنا عن أخلاقيات استعمال تطبيقات الذكاء الاصطناعي من مفهوم الكرامة الإنسانية وأهمية تكريس تلك التقنيات لتحقيق رفاهية وسعادة الإنسان، لا ان تكون مصدر خوف أو قلق أو ضرر مادي أو نفسي على بني البشر، فمن الأسس التي قامت عليها المجتمعات القديمة منها أو الحديثة ان الإنسان والأسرة والمجتمع يمثلون الغاية .

ولما كانت النظم الالكترونية التي تستعمل تقنيات الذكاء الاصطناعي من شأنها ان تتعامل مع البيانات والمعلومات سواءً منها العلمية أو الثقافية أو التاريخية أو الشخصية فلابد وقبل كل شيء ان يكون التعامل معها منطلقاً من الأمانة العلمية والأخلاقية وضرورة عدم التمييز لأي سبب كان، كما ان خوارزميات الذكاء من شأنها ان تقوم بعمليات رياضية معقدة قائمة بالدرجة الأساس على الاستدلال والتنبؤ وقدرة على التخطيط والتحكم والسيطرة، ولما تقدم تشكل خطورة على الحياة الخاصة للفرد والأسرة فينبغي ان تكون تلك الفعاليات قائمة على أسس إنسانية بالدرجة الأساس وان توجه باتجاه الخدمة العامة وتحقيق الإنجاز العلمي والمعرفي المسخر لخدمة الخير والجوانب المشرقة في المجتمعات الوطنية منها أو الدولية .

   ومن نافلة القول ان لتحديد أخلاقيات للذكاء الاصطناعي أهمية كبيرة جداً في ميدان حقوق الإنسان في التربية والتعليم إذ أن الاستخدامات المتزايدة لهذه التقنيات لا شك أنها تنعكس سلباً أو إيجاباً على ما تقدم بحسب طريقة وتوقيت وتوجيه الاستعمال بالنظر لتأثير هذه التطبيقات على آليات ووسائل ومنهاج تتبعها المدارس والجامعات ما يتطلب التكيف مع مهارات ومعارف مختلفة تتطلب مراعاة عدم التأثير على التكوين التدريجي لذهنية وعلوم الفرد وتدرجه في المراحل الدراسية وما يتلقاه من مناهج أو برامج تؤثر في نفسه وفي وعيه وتسهم في تكامل شخصيته ليكون بالمستقبل فرداً صالحاً في مجال تكوين الأسرة أو سوق العمل .

فقد نفتقد الجوانب الإبداعية وتغيب الفوارق الفردية بين الأفراد، ويمكن للحاكم الاستفادة من هذا الواقع ليعمد إلى مزيد من المركزية والاستبداد بالسلطة، لهذا ينبغي تقنين الاستعمالات بما لا يلغي الدور البشري في التربية والتعليم، بل يمكن توظيف الإمكانيات التي تتيحها التكنولوجيا لخدمة العملية التربوية وإيجاد حلول للمشاكل الأسرية أو النفسية أو الاجتماعية التي يعاني منها البعض من الأفراد

وتجدد تأثيرات تطبيقات الذكاء الاصطناعي على ميداني الصحافة والإعلام فمن المتوقع استعمال تلك الخوارزميات لنشر الأخبار أو لإدارة نشرها بطريقة معينة، ويمكن بواسطتها التأثير بالمحتوى المتضمن في وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث حيث قد تستثمر لبث الشائعات أو تضليل الرأي العام أو لتغيير الحقائق وتزييفها، فالأصل ان تسخر تلك الإمكانات لخدمة البشرية ودرء المضار عنها، لا ان يكون العكس هو الغاية .

فمن القيم الأخلاقية لإدارة الإعلام والصحافة ووسائلها ومنها التواصل الاجتماعي احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وكرامة الإنسان، والالتزام بحدود أخلاقية، فمن يحترف العمل الإعلامي أو الصحفي هو يحترف مهنة إنسانية قوامها نقل المعلومات الصحيحة القائمة على الأسس الموضوعية والحياد إلى الكافة .

 ويقع واجباً ليس على الجهات الرسمية ما تقدم بل نجد ان واجب سن لائحة أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها مهم جداً بالنسبة للشركات التجارية التي تصنع أو تدير أو تطور أو تستعمل على الأقل تلك التقنيات الكبيرة والمهمة والمؤثرة في الحياة العامة والخاصة وان مراقبتها ليست من وظائف الحكومة فحسب، بل أعتقد ان منظمات المجتمع المدني والأحزاب الوطنية والمؤسسات الإعلامية وسائر الفعاليات المجتمعية يقع واجباً عليها جميعا التعامل اليومي مع نتاج هذه الشركات ورصد مخالفاتها أو أخطائها والدعوة المباشرة لتقويم سلوكها لاستنقاذ الأفراد من مخاطر جمة تنتج عن نشاطها التجاري .

فمن مقتضى واجبها الالتزام الصارم بما أقرته الشرائع القانونية لاسيما القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان فلو أخذنا مثالاً لشركات مصنعة لأدوات ووسائل القتل العسكرية التي لا يهمها إلا الربح الوفير الذي تقتضيه من هذه الصناعة، يبرز أثر استعمالات الذكاء الاصطناعي في إنتاج وإدارة أدوات قتل المدنيين والعدوان على الأعيان المدنية كالمستشفيات والمدارس وغيرها، فلا تقيم تلك الوسائل القتالية لمبدأ الضرورة العسكرية أو التناسب بين الخطر والضرر الذي تلحقه بالأفراد أي حساب .

لذا هي دعوة إلى ضمان العدالة والإنصاف لضحايا تقنيات الذكاء الاصطناعي بإلزام الهيئات العامة أو الشركات التجارية لتولي للإشراف البشري على تلك التقنيات الاهتمام الأكبر لتجنب الوقوع في الخطأ قدر المستطاع، وكذا يمكن تحديد المسؤولية وأعمال المساءلة والإنصاف للضحايا .

قد يعجبك ايضا