نهاد الحديثي
تقرير أممي: نظام التقاعد في العراق شديد التجزؤ وغير منصف ويتعين إصلاحه.
لسنوات طويلة كانت الوظيفة هي الحلم الآمن، بطاقة عبور إلى الاستقرار المالي والمعيشي، بدخل ثابت ومزايا تأمينية وأمان وظيفي، لكن مع ارتفاع تكاليف الحياة وثبات الرواتب وتباطؤ فرص الترقي، بدأ هذا البريق يخفت شيئًا فشيئًا، المفارقة أننا قبل عدة عقود كنا نرى العمل الحر هو القاعدة، والوظيفة مجرد استثناء، كانت الأسواق تعج بالتجار وأصحاب المهن، وكان الاستقلال المالي حلمًا متاحًا عبر بذل الجهد والمغامرة، لا انتظار نهاية الشهر,, وفي المقابل تراجع جاذبية الوظيفة قد يؤدي إلى عزوف الكفاءات عن القطاعات الحيوية، ما ينعكس على جودة المؤسسات والخدمات، الحل ليس في التخلي عن الوظيفة ولا في الاندفاع الأعمى نحو المشاريع، بل في إيجاد معادلة توازن جديدة، معادلة تعترف بأن الوظيفة قد تكون محطة تأسيسية لاكتساب المهارات وبناء رأس المال، وأن المشروع الخاص يمكن أن يكون الامتداد الطبيعي للطموح عندما تنضج الظروف.
حين يطوي الموظف صفحة عمله الأخير، ويتسلم قرار تقاعده، يخيّل إليه أنه يعبر جسرًا نحو حياة أكثر هدوءًا وطمأنينة، يتخيل صباحاته المقبلة بلا منبهٍ يوقظه، ولا مسؤوليات تثقل كاهله، ويظن أن سنواته المقبلة ستكون وقتًا لجني ثمار عمرٍ قضاه في خدمة وطنه وأسَرته، غير أن تلك الأحلام كثيرًا ما تصطدم بجدار الواقع، لتنكشف أمامه حقيقة صامتة تتسلل ببطء، حقيقة لا تُرى لكنها تُشعره يومًا بعد يوم أن دخله يتآكل مثل شمعة تذوب ببطء، حتى يخشى أن تنطفئ قبل أن تكمل آخر مسيرتها.. هذه الأزمة الخفية تُعرف اقتصاديًا بـ(تآكل الدخل) فالمعاش التقاعدي يبقى ثابتًا بينما ترتفع تكاليف المعيشة بفعل التضخم، ما يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية عامًا بعد عام.
بحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD، يتراوح متوسط سن التقاعد النظامي في الدول المتقدمة بين 62 و67 سنة.. وفي الولايات المتحدة يبلغ المتوسط حوالي 65 سنة. رواتب التقاعد ليست دخلاً إضافياً يمكن الاستغناء عنه، بل هي مصدر العيش الوحيد لفئة كبيرة، أغلبهم من كبار السن، ومن ذوي الأمراض المزمنة والاحتياجات الخاصة. هؤلاء لا يملكون القدرة على العمل أو الحصول على بدائل، وبالتالي فإن أي تأخير ولو لأيام قليلة يعني حرمانهم من شراء الأدوية والعلاج والغذاء، ما قد يؤدي في حالات كثيرة إلى تهديد حياتهم مباشرة.. وتأخر الرواتب ترك آثاراً قاسية على المتقاعدين وعوائلهم. آلاف العوائل وجدت نفسها غير قادرة على شراء الأدوية أو دفع الإيجارات أو تلبية الاحتياجات الأساسية. هذا الوضع خلق حالة من الإحباط والقلق، بل والغضب الذي قد يتحول إلى احتجاجات شعبية واسعة إذا ما استمر التأخير.
وصف تقرير لمنظمة العمل الدولية وهي إحدى المنظمات التابعة للأمم المتحدة، يوم الأربعاء، نظام التقاعد في العراق شديد التجزؤ وغير منصف وغير فعال.. وذكر التقرير ، أنه (على الرغم من الإصلاحات القانونية المهمة التي أجراها العراق، فإن ضعف التنفيذ وعدم التناسق بين القطاعين العام والخاص يجعلان نظام المعاشات التقاعدية الحالي في العراق شديد التجزؤ وغير منصف وغير فعال بشكل كبير) وتوقع التقرير،(اتساع فجوة تغطية التقاعد بين المسنين بشكل متسارع، ولا سيما النساء خارج سوق العمل والعمالة غير المنظمة)، كما توقع أيضاً، في ظل السياسات الحالية، أن تظل التكلفة المالية الكلية لاستحقاقات التقاعد العامة والخاصة والممولة من الموازنة قريبة من 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي على مدار العقود الثمانية القادمة..
ولفت التقرير الى أن (مذكرة السياسات) نحو نظام معاشات تقاعدية شامل ومنصف ومستدام في العراق، التي نشرها كلٌ من صندوق النقد الدولي ومنظمة العمل الدولية والبنك الدولي، تؤكد على الحاجة إلى إجراء إصلاحات شاملة لنظام المعاشات التقاعدية في العراق تعزز إنصاف البرامج القائمة على الاشتراكات وكفايتها واستدامتها، مع توسيع نطاق الحماية ليشمل الفئات المستبعدة ولاسيما النساء..
ومن الضروري أيضاً إجراء تعديلات منتظمة على مستوى المعاشات التقاعدية لضمان مواكبتها ارتفاع تكاليف المعيشة. ثانياً، من المهم للغاية ضمان إمكانية التنبؤ بالمدفوعات، وهو ما يعني أنه ينبغي تقديم المدفوعات بانتظام لتمكين الأسر المستفيدة من وضع الميزانية والتخطيط بشكل فعال لحماية الدخل في سن الشيخوخة.
ونشير اخيرا لقول رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية، في بيان، إن (راتب المتقاعدين خط أحمر، ونرفض أي تأخير بمستحقاتهم، وعلى الحكومة العراقية صرف رواتب المتقاعدين والرعاية الاجتماعية دون أي تأخير)، مبينا (نحن لا نجامل في هذه المواقف كون المتقاعد والرعاية الاجتماعية هي لفئة ليست قليلة واعتمادها الكلي على هذا الراتب، وأضاف، أن (هذه الفئات أغلبهم من أصحاب الأمراض والالتزامات الخاصة، إذ نجد أكثرهم لا يستطيع شراء الدواء في حال تأخرت عليهم، لربما البعض سيفقد حياته، وفي هذا الحال تعتبر جريمة ولا نقف ساكتين)، مشيرا إلى أن (تلاعب الحكومات في صندوق التقاعد جريمة ويجب محاسبة المتسببين).