كريم احمد يونس
قبل ظهور الأموال الورقية في القرن التاسع الميلادي، لم يكن هناك من يمكنه أن يقلق على ما سيحدث للأموال، فالأموال شيء معلوم له قيمة حقيقية، مثل العملات الذهبية، ففي ذلك الوقت، إذا اختفت أموالك فجأة، فلا بد من سبب وراء ذلك، وهو أنك أنفقتها، أو سرقها أحد منك، أو أضعتها.
ولكن في هذه الأيام، فهناك الكثير من الأمور التي لها قيمة مادية ولكن لا يمكنك أن تحملها بيدك، مثل استثمار أموالك في سوق الأسهم، والتي يمكنك تتبعها، حيث ترتفع قيمة هذه الأموال، وربما تستطيع أن تبيعها بربح إن أردت عندما ترتفع قيمة تلك الأسهم.
أن الهزات الحالية في النظام المالي للرأسمالية وحالة الركود الاقتصادي لم تكن مفاجئة للجميع، والى ذلك ثمة رأي يقول أن الأزمة كان يمكن تصورها وتوقعها تماما، بل وإنها كانت في الواقع نتيجة ضمنية وحتمية لتصرفات النخبة السياسية والمالية في الولايات المتحدة، ففي عام 1992 أصدر الاقتصادي الأميركي هاري فيجي مع زميله جيرالد سوانسون كتاباً بعنوان (الإفلاس) توقعا فيه ما يحصل اليوم بالضبط.
إذن فنحن أمام أحداث غير مسبوقة في التاريخ الحديث، لكنها قابلة للتحكم والتوجيه ويمكن التكهن بعواقبها، وهي في اعتقاد بعض الخبراء عملية يترتب عليها انكماش الاقتصاد الأميركي بمقدار الثلث على وجه التقريب، وتقلص الاقتصاد العالمي بنسبة 20%، مما يؤدي إلى ازدياد شامل في البطالة وتضخم كبير في الأعباء الاجتماعية على الميزانيات واشتداد التوترات الاجتماعية على نطاق العالم.
ويمكن الإشارة هنا إلى أن هناك ثمة وجهة نظر مفادها أن الولايات المتحدة تعمل عن قصد على استثارة الأزمة المالية العالمية الراهنة من اجل القضاء على المنافسة المحتملة من جانب الاقتصاديات النامية في الصين والهند وروسيا، فهل أن انهيار المنظومة المالية العالمية يعتبر فعلا نتيجة عملية خطط لها مسبقا بهدف الحفاظ على سيادة واشنطن على العالم وتعزيزها، أم أنها أحد مظاهر العمليات الاقتصادية الموضوعية؟!
إما الأحاديث عن يد أمريكا في كل مكان فنرى أنها لا تتجاوز إطار نظرية المؤامرة، و هناك عبارة من الممكن أن تلخص ما ظهر اليوم من تجليات في ثنايا النظام الرأسمالي وهي (ليس نقص المال هو سبب الأزمة، بل العكس تماما هو الصحيح، فالأزمة هي التي تسبب نقص المال)، فقد سبق لماركس أن أشار منذ وقت بعيد إلى أن حلم البرجوازية الأمثل هو تحقيق المال من المال، دون الحاجة إلى الدخول عبر مسلسل الإنتاج المضني، وقد بدا خلال المرحلة الأخيرة أن الرأسمالية تمكنت من تحقيق هذه الفكرة (ما عدا الصين حيث كان هناك تطور حقيقي لقوى الإنتاج)، ففي الولايات المتحدة وبريطانيا وإسبانيا وأيرلندا والعديد من البلدان الأخرى، استثمرت المصارف تريليونات الدولارات في المضاربات، وخاصة في قطاع السكن، وكانت هذه هي القاعدة التي نمت على أساسها أزمة الرهون العقارية العالية المخاطر، معممة لمبالغ لا يمكن تصورها من الرساميل الوهمية.
ومع انتفاء الثقة بتلك الأسواق، وبالنظام المالي، فإن الكثير من المستثمرين سيبيعون بأي سعر للحد من الخسارة، وهنا فإن قيمة استثمارك تكون قد تبخرت، وخلال هذه العملية فإنك تفقد ثروتك، ولكن هل هذا يعني أن هناك بالضرورة من حصل على تلك الأموال الافتراضية التي كانت بحوزتك؟ بالطبع، لا، إذ ببساطة فإن قيمة الأموال هنا تضاءلت، ومن كان يقوم بالاستثمار والمضاربة خسروا رهانهم بعد أن خاطروا، وهم الآن يعانون جراء تلك المخاطرة.
هذه المقامرات المالية غير المدروسة انعكست سلباً على الاقتصاد العالمي بصورة عامة، وبالطبع فأن الاقتصاد العربي غير بعيد عن تلك المخاطر التي خلقتها الأزمة المالية العالمية، أما الاقتصاد العراقي فقد ظلت أغلب قطاعاته بمنأى عن تلك المخاطر، عدا قطاع النفط بالطبع والذي بدورة انعكست آثاره سلباً على ميزانية الدولة، نتيجة لانخفاض حجم التعاملات المالية مع العالم الخارجي، وبخاصةً الأسهم، إذ ظل سوق العراق للأوراق المالية غير مرتبط بالعالم الخارجي عند قيام الأزمة.