حيدر فليح الشمري
عندما تتزاحم المصالح في عالم تعلو فيه الأصوات على حساب المستضعفين، يظل للأفعال الصادقة بريق لا يخفت، يضيء عتمة القلوب ويمسح غبار الحرمان عن الوجوه، هكذا تبدو خطوات الأستاذة والباحثة الاجتماعية (رنده صادق الربيعي) وهي تمضي بثبات في طريق اختارت أن يكون عنوانه الأيتام والأرامل والمطلقات، ومن خلال منظمتها الإنسانية (نسمة عطاء) ومكاتبها التسع في بغداد، جعلت من الرحمة منهجًا، ومن العمل الإنساني مشروعًا متكاملًا.

لم تقف رنده عند حدود المساعدات التقليدية، بل تجاوزتها إلى صناعة حياة جديدة لأولئك الذين أنهكتهم قسوة اليُتم وأوجاع الفقد، ففي حين تخرج الأيتام من الملاجئ عند بلوغهم الثامنة عشرة، تاركين خلفهم دفء المأوى وهم يدخلون للمجهول، بلا سند، مدت يدها لتأخذ بيدهم نحو الكرامة، فعملت على توظيفهم وتعيينهم في دوائر الدولة، وساعدتهم بفتح مشاريع خاصة، ليكون لهم مستقبل آمن وحق مشروع في حياة كريمة.
ولأن العطاء عندها ليس صدفة عابرة، بل رؤية واسعة، فهي تحمل مشاريع إنسانية طموحة تعيد للأطفال ما سلبته الحياة منهم، مشروعها الذي تسعى لتحقيقه بعمل (1000 عملية ليزك للعيون) لأطفال يعانون من ضعف البصر، و (1000 عملية لزراعة قوقعة الأذن) للأطفال الذين يتهددهم الصمت الأبدي، ليس مجرد إنجاز طبي، بل ثورة إنسانية تعيد للطفولة حقها في أن تبصر العالم وتسمعه كما يجب.

ولم تتوقف عند هذا الحد ففي لحظات صعبة، حين يخرج اليتيم من المأوى بلا سقف يأويه، كانت تقف لتوفر لهم السكن، كي لا يصبحوا لقمة سائغة للحرمان والتشرد، وحتى النساء اللواتي تربين في الملاجئ، لم تُتركهن وحدهن في مواجهة قسوة المصير، بل أشرفت على تزويجهن ورسمت لهن بداية جديدة، تحمل بعضًا من الأمان وشيئًا من الطمأنينة.
إنها خطوات تتوزع بين الألم والأمل، بين دموع الأيتام وأنين الأرامل، وبين ابتسامة الأطفال حين يستعيدون نور أعينهم أو يسمعون صوت الحياة من جديد، كل مبادرة من مبادرات (نسمة عطاء) ليست مجرد خبر عابر، بل حكاية مكتوبة بمداد الرحمة ودموع الفرح، حكاية تقول إن الخير ما زال ممكنًا، وإن إنسانية واحدة قادرة على مواجهة قسوة عالم بأسره.
في رنده صادق الربيعي يتجسد معنى أن يكون العطاء رسالة لا مهنة، وأن تكون الرحمة فعلًا لا شعارًا، إنها ليست مجرد باحثة اجتماعية، بل نَسمة تتغلغل في القلوب لتقول للمحرومين:
((لستم وحدكم، فما دام في هذا العالم أيدٍ تُربّت بصدق، سيبقى الأمل ممكنًا مهما كان الألم عظيمًا)).