جميل عودة
يعد خطاب الكراهية ظاهرة عالمية متنامية، ومشكلة تؤرق القائمين على حفظ السلم والأمن الدولي، وحماية حقوق الإنسان. حيث يؤدي إلى زعزعة السلم المجتمعي ويشكل تهديدا لقيم الديمقراطية، والتسامح، والتنوع، والتعايش بين المجتمعي. وقد تزداد حدته وانتشاره ليؤدي إلى آثار مدمرة كالقتل، والتحريض على الإبادة الجماعية، والعنف، والتخويف، والتعدي على الممتلكات، إضافة إلى ما قد يسببه من انتهاكات لحقوق الإنسان والأضرار الجسدية والنفسية له .
في عام 2021، أعلنت الأمم المتحدة يوم 18 يونيو/ حزيران من كل عام (اليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية) وخطاب الكراهية؛ كما تعرفه الأمم المتحدة هو (أي نوع من التواصل الشفهي أو الخطي أو السلوكي، ينطوي على تهجم أو يستخدم لغة سلبية أو تمييزية عند الإشارة إلى شخص أو مجموعة من الأشخاص على أساس هويتهم، أي على أساس دينهم أو عنصرهم أو جنسيتهم أو عرقهم أو لونهم أو نسبهم أو جنسهم أو أي عامل آخر يحددهم، وفي بعض السياقات، قد يكون مهينًا ومسببًا للانقسامات ) .)
ولأهمية الحد من خطاب الكراهية، فقد حددت الأمم المتحدة ستة معايير أساسية تبين إذا ما كان هذا الخطاب يعد خطاب كراهية أم لا، وهي :
(1. السياق الاجتماعي والسياسي. 2. حالة المتحدث. 3. النية لتحريض الجمهور ضد مجموعة مستهدفة. 4. المحتوى وشكل الخطاب. 5. مدى نشر الخطاب. 6. أرجحية الضرر، بما في ذلك الوشوك المحدق) .
ومع ذلك؛ هناك حذر كبير في الوصول إلى اطر قانونية محددة في تعريف (خطاب الكراهية) ووضع قانون لتجريمه، والسبب هو الخوف على حرية التعبير، وتوسع الحكومات في فرض العقوبات على المخالفين لها أو المعارضين، لأن لحرية التعبير أثرًا واسعًا على نشر المعرفة ومجابهة خطاب الكراهية، فلا يمكن المساس بها.
لكن يمكن القول إنه عندما تتحول حرية الشخص بالكلام والتعبير عن آرائه، إلى خطر يهدد شخص آخر أو يعرضه للإيذاء، بسبب تعبيرات تصدر عن الطرف الأول، هنا ينتهي حق الطرف الأول في التعبير لأن خطابه تحول إلى خطاب كراهية يشجع على العنف .
تنطوي حرية التعبير على بناء المعرفة من خلال تبادل الأفكار والآراء. فإنشاء مساحة للنقاش المفتوح والتحاور يسمح لنا بتكوين فهم لبعضنا البعض وإدراك قيمة الأمور المشتركة التي تجمعنا وتلك التي تميزنا وتجعلنا مختلفين عن بعضنا البعض. وفي الوقت نفسه، يستخدم البعض حقه في حرية التعبير للترويج لمعلومات خاطئة حول مجموعة ما ولإثارة عدم الثقة وسوء التفاهم، وذلك من شأنه أن يؤدي إلى التمييز والعنف.
وقد يحصد هذا الخطاب للأسف شعبية كبيرة. فهو يقدم عادة تفسيرات وحلول بسيطة لمشاكل معقدة؛ أي يمنح الناس هدفًا سهلاً لإلقاء اللوم عليه والشعور بالخوف منه. كذلك يمكن لهذا الخطاب أن يمنح شعورًا بالأمان والتضامن داخل مجموعة مهيمنة حيث يتم تعزيز مشاعر البغض والأحقية المشتركة .
ومما يميز خطاب الكراهية عن حرية الرأي والتعبير أنه يُستخدم لتأجيج الخوف والانقسام، وكثيرا ما يكون ذلك لغرض تحقيق مكسب سياسي، وتكون تكلفته باهظة على المجتمعات المحلية والمجتمعات ككل. فخطاب الكراهية يحرض على العنف، ويفاقم التوترات، ويعيق الجهود الرامية إلى النهوض بالوساطة والحوار. وهو إحدى علامات الإنذار بالإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم الوحشية .
ويكرّس خطاب الكراهية، أيضاً، التمييز، ويهدم القوانين، فهو يقوم على تقويض حقوق أساسية، مثل المساواة وحق الناس في حرية الاعتقاد والفكر والانتصاف من التمييز والجرائم أمام قضاء نزيه. أما الجانب الأسوأ للكراهية وخطابها فهو التحريض على العنف، ومن ثم العنف نفسه، والذي تقود الكراهية إليه في صورة حروب ومذابح وجرائم ضد الإنسانية وحروب أهلية .
والسؤال هنا ما هي السبل المتاحة للحد من ظاهرة خطاب الكراهية، وتقليل أثاره النفسية والاجتماعية على المستهدفين منه؟
لابد أن نفهم أولا الأسباب الرئيسة وراء خطاب الكراهية، فقد يكون السبب سياسي، وقد يكون نفسي، وقد يكون اجتماعي. وربما يكون سببه الجهل وقلة الفهم التي عليها المحرض، وربما يكون هدفه التقليل من شأن المستهدف أو المستهدفين، أو الإساءة له أو لهم، أو الطعن بأفكارهم وعقائدهم وغيرها. وقد يكون عدم وجود قانون يسأله أو يحاسبه هو أحد الدوافع التي تدعو هؤلاء المحرضين على التجاوز على الآخرين.
بل وجود قوانين تجيز صراحة أو ضمنا التهجم على الآخرين بقصد الإساءة إليهم. كما يحدث الآن في بعض الدول الأوربية التي يظهر فيها أشخاص يسيئون للإسلام والمسلمين تحت حماية قوانين حرية الرأي والتعبير .
عشية الاحتفال باليوم الدولي لمكافحة خطاب الكراهية في 18 حزيران/ يونيو، دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان (فولكر تورك) الجميع إلى التعاون من أجل بناء عالم أكثر احترامًا وتحضّرًا، ومن أجل اتخاذ إجراءات فعالة لإنهاء خطاب الكراهية. فقال: “ندرك تمامًا أنّ تفشّي الكراهية يستخدمه أولئك الذين يرغبون في زرع الانقسامات والتضحية بالآخرين وتحويلهم إلى كبش فداء بغية صرف الانتباه عن القضايا الحقيقية. وتُعتَبَر وسائل التواصل الاجتماعي أرضًا خصبة لخطاب الكراهية، حيث تمكّنه من التفشي بسرعة بشكل غير مسبوق. كما أنّ الكراهية تولد التعصب والتمييز والتحريض على العنف ” .