الخطة الاستراتيجية لانضمام العراق (بريكس ـ شنغهاي)

د. رزكار حمه رحيم بنجويني

قد لا يكون متاحاً في الوقت الحاضر بحكم الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية الداخلية وطبيعة التواجد الأمريكي بالمنطقة بشكل مباشر وتداخل الأوضاع الإقليمية والدولية في منطقة الشرق الأوسط، لكن الشروع بالانضمام إلى منظمة شنغهاي بصفة (مراقب) قد تشكل السير باتجاه الهدف نحو أن يكون (مشارك) في مراحل أخرى، حتى الوصول إلى كونه (عضواً أصيلا) مع مراعاة الظروف المكانية والزمانية، تؤتي ثمارها وتتبلور مخرجاتها الإيجابية بعد بضعة أعوام، كأحد العناصر الرئيسية لمواجهة اسوء الاحتمالات واصعب التحديات المتوقعة في الوقت ذاته، وتوظيف نقاط القوة والضعف، التي يمتلكها العراق بصورة سلمية بعيداً عن الانزلاق من جديد في متاهات المعارك والحروب والصراعات العميقة، سواء في الداخل أو مع محيطه الإقليمي.

لذلك على الحكومة العراقية أن تضع نصب أعينها وضع خطة استراتيجية وفق القوانين النافذة، إلى طلب الحصول رسمياً على عضوية المنظمة بصفة (مراقب) كما تدعى السلطة التشريعية وفق صلاحياتها إلى دعم قرار الحكومة بالموافقة ومصادقة المحكمة الإتحادية ليأخذ طابعاً متكامل الأطراف من الناحية الشكلية والموضوعية، وتسهيل الإجراءات المطلوبة، وأن تنظر كل القوى لهذا الموضوع كمحصلة وطنية عليا، وضمانة اكيدة لحاضر العراق ومستقبله، بعيداً عن المشاكسات السياسية، وأن لايرهن البلد سياسياً وأمنيا واقتصادياً للولايات المتحدة الأمريكية بصورة تامة أو شبه تامة بعد عام 2003 منعه من التقدم إلى الأمام، بل اغرق في دوامة التناحر السياسي العقيم والفساد، وتعطيل قطاعات الصناعة والزراعة، وتدني الخدمات الأساسية وتهالك البنى التحتية إلى حد كبير٠

المعادلات والتوازنات الدولية والإقليمية، آخذة بالتغيير الواضح والملموس من أحادية القطب إلى تعدد الأقطاب، مع رجحان كفة الاقتصاد شيئاً فشيئا في تحديد مستويات التفوق وصلاحياته على المشهد الدولي العام، وهو ما نلمسه جليا في طبيعة الصراع والتنافس المحموم بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، لذلك على العراق أن يستثمر هذه المتغيرات، بما يحسن أوضاعه الاقتصادية ويعزز حضوره الاقليمي والدولي مع الحفاظ على خصوصياته واولوياته الوطنية، وأن لا يكون جزءاً من محور على حساب آخر٠

من خلال المبررات الاستراتيجية والدستورية لانضمام العراق من الناحية الجيوسياسية، وإلقاء نظرة تحليلية (جي استراتيجية) لخريطة المنطقة تبين أن العراق ليس له ارتباطات بمنظمة إقليمية ابعد من إطار (الجامعة العربية) عليه أن الانضمام إلى منظمة شنغهاي، لا يعني التنازل عن ارتباطاته ضمن محيطه العربي، ليبدأ العراق طلب (صفة مراقب) مروراً مع توفر الظروف بصفة ( شريك) وصولاً حسب متطلبات المرحلة إلى صفة (عضو اصيل) لتحقيق مصالحه الاستراتيجية على الصعيد السياسي والاقتصادي والامني في ظل المصالح المتحققة ضمن المشروع العربي (لجامعة الدول العربية)٠

اولاً: محور التقاء ثوابت السياسية الخارجية العراقية والمواد الدستورية
– منظمة شنغهاي تسعى للتعاون في (مكافحة الإرهاب والتطرف والانفصالية) وثوابت السياسة الخارجية، التي بينها الدستور الاتحادي عبر مواده (1، 3، 8، 9 – الفقرة ه‍/37) والأهم من ذلك يلتقي الدستور العراقي في المادة (7) مع الهدف الاول لمنظمة شنغهاي، ألا وهو؛ مكافحة الإرهاب٠

– المادة (2) من الدستور تنص على ان (يرعي العراق مبادئ حسن الجوار ويلتزم بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى، وهي تتلائم بشكل يكاد أن يكون متطابق مع ميثاق المنظمة، حيث انه أهم مبدأ من مبادئ المنظمة ينص على (خلق مجتمع منسجم ومتناغم قائم على حسن الجوار دون اللجوء إلى استخدام القوة)

– تؤكد المادة (9) من الدستور الفقرة (ه‍) على سلمية توجهات السياسة الخارجية العراقية، من خلال منع انتشار أسلحة الدمار الشامل (استخدامًا وانتاجًا أو تطويرًا) عليه فأن هذه المادة لا تتعارض وأهداف المنظمة كونها ذات طابع اقتصادي لا تدفع الدول لحيازة أسلحة الدمار الشامل٠

ثانياً: محور التقاء المصالح من الناحية الامنية* منذ ما بعد عام 2003 والعراق يواجه تحديات كبيرة، أخطرها التنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة والسلاح المنفلت، بما أن منظمة شنغهاي تهدف إلى مكافحة الإرهاب، فأسست (وكالة لمكافحة الإرهاب) مقرها في (اوزبكستان ـ طاشقند) تأسست نتيجة توقيع اتفاقية لمكافحة الإرهاب بين الدول الأعضاء، دخلت حيز التنفيذ، وبقدر ما يتعلق الأمر بالعراق وما يواجهه من التحديات الظاهرة عصفت بالمجتمع، فأن حصول العراق على صفة مراقب ومن ثم إلى شريك وصولاً لعضو اصيل، يحقق للعراق مصالح مشتركة من خلال:

– تبادل المعلومات بين الدول الأعضاء، بشأن الإرهاب المنظم العابر للحدود والجرائم المرتبطة بالمخدرات والاتجار الغير مشروع وغسيل الأموال، وكذلك تنقل المجموعات الإرهابية ومهربي المخدرات بكافة المسميات٠

– تبني المنظمة مركز خاص لمكافحة الإرهاب، مع وجود ممثلين دائميين للدول الأعضاء، يتيح لهذه الدول، الحصول من خلال تبادل المعلومات والجمع والتحليل وانشاء قاعدة بيانات، وفي تقديم المشورة والراي واستملاك احدث التقنيات اللازمة لمكافحة الإرهاب الدولي، وما تمخضت عنه من قناعة راسخة لدى دول الاعضاء، أن تجارة المخدرات المصدر الرئيسي لتمويل المنظمات الإرهابية في العالم، لذا فأنها تسعى إلى محاولة الوصول إلى هذه المصادر وتجفيف منابعها، من خلال تبادل المعلومات والتدريبات والمناورات العسكرية المشتركة.

– محور التقاء المصالح الاقتصادية: استطاعت منظمة شنغهاي للتعاون، أن توسع نفوذها عبر (اوراسيا) بقدراتها السوقية والبشرية، التي قدرت وصولها إلى استهداف (2,8) مليار نسمة، إلى جانب الناتج القومي الإجمالي المقترب من (11) ترليون دولار أمريكي، لقد عملت المنظمة بجد بعد الوصول إلى تحقيق الأهداف، فالمهمة الأولى التي سارت عليها هي:

– تنمية البني التحتية وسعت لتأسيس شبكة اتصالات داخلية وروابط الطاقة الكهربائية، ومصادر الطاقة بشكلها العام٠

– رفع الحواجز أمام التجارة وتعزيز تحرير التجارة والاستثمار من القيود، ومنح الفرص لتدفق المال الحر للأموال وتبادل معلومات السوق التجاري بين الاعضاء٠ نتيجة لهذه المؤشرات الاقتصادية، يمكن للعراق أن يحقق مصالحه الاقتصادية من خلال مد انابيب بديلة للبترول عبر الشرق، لتحقيق ميزة المناورة الاستراتيجية من تصدير النفط الخام إلى منطقة تضم ثاني أقوى اقتصاديات العالم (كالصين) وثلاثة من الاقتصاديات الناشئة الكبرى في مجموعة (البريكس) هما (الصين وروسيا والهند كدولة مراقبة) كما يوفر للدول الأخرى فرصاً للتقارب وتعزيز المصالح الاقتصادية المشتركة فيما بينها، من حيث تنويع مصادر الطاقة لأدامه زخم نموها المستدام.

– محور التقاء الابعاد الاستراتيجية للانضمام: يعتبر العراق ذو أهمية استراتيجية لمنظمة شانغهاي للتعاون بسبب ما تحويه من مصادر الطاقة وفرص عالية الاستثمار في جميع المجالات، ومن بين الدول المؤثرة على الصعيد الدولي والإقليمي ورغبة العراق على المدى المنظور بعد تهيئة ظروف التواصل والانفتاح الجاد مع المنظمة في سبيل:

تعزيز الثقة المتبادلة بينها وبين الاعضاء من تقديم الدعم السياسي في المحافل الدولية والمنظمات الإقليمية، خصوصاً أن المنظمة تضم عنصرين دائميين في مجلس الأمن (روسيا والصين) وكذلك تضم خمسة أعضاء في مجموعة (البريكس) إضافة إلى الصين وروسيا والهند، البرازيل وجنوب أفريقيا فضلاً عن دولتي جوار العراق هما (جمهورية ايران الاسلامية) (كمراقب) والجمهورية التركية (كشريك حوار).

– آلية صناعة القرارات لا تعتمد على نسبة الأصوات، كما؛ يحدث في مجلس الأمن، ولا التصويت حسب نسبة السكان كما؛ في الاتحاد الأوروبي، ولا حسب حصة الأموال التي تضخها الدولة كما؛ يجري في البنك وصندوق النقد الدوليين، وانما يكون القرار داخل المنظمة (بالاتفاق) عبر التشاور الكامل بين جميع الأعضاء، يؤخذ في الاعتبار مبدأ (المساواة والمصالح المشتركة)٠

يمكننا القول مما تقدم أن مقترح انضمام العراق إلى منظمة شنغهاي للتعاون، يفتح آفاق تنموية اقتصادية وبشرية ويوفر معلومات واسعة عن تنقل الإرهاب الدولي بين البلدان، تبررها عوامل ومتغيرات استراتيجية شاملة من حيث التقاء الأهداف الاقتصادية والتنموية، توفرها اهداف المنظمة والتوجهات السياسية الخارجية للعراق، في المرحلة الحالية، إذا ما تمخض من هذا التقارب أو أخذ صفة المراقب وترجم إلى واقع ملموس، يكون فرصة مثالية لحصول (العراق) على عنصر المناورة الاستراتيجية في تحقيق مصالحه، الأهم من ذلك أمنه الوطني، وبداية في فك الطوق الأمريكي المهيمن على البلاد بشكل تدريجي ناعم وبنفس طويل الامد، دون أثارة الغبار، وبطرق توحي إلى الاستفادة من معلومات الجماعات الإرهابية العابرة للحدود وتنشيف منابع المخدرات في بادئ الأمر، وأن تكون للتحديات الإقليمية والدولية منظار لتلك التحركات دون توجس واستفزاز لمحاور أخرى في المنطقة.

قد يعجبك ايضا