نوري جاسم
في عمق الجبال، حيث الريح تعزف لحن الانتماء، وتهدهد الأغاني الكوردية في مهد الطبيعة، نشأ الأدب الكوردي نقي ويعبر عن هويةٍ لم ترضَ الذوبان، وعن شعبٍ كتب تاريخه بالشعر قبل أن يُدوَّن بالحبر. لم يكن الأدب الكوردي مجرد ترف ثقافي، بل كان هو اللسان حين يُمنع الكلام، والذاكرة حين يُمسح التاريخ، والروح حين يُنتزع الوطن.
من أراضٍ نُزعت إلى قصائد لا تُنتزع
يرتبط الأدب الكوردي ارتباطًا عضويًا بالأرض. يكفي أن نقرأ للشاعر الكبير جكرخوين لنلمس كيف تحولت الأرض واللغة والهوية إلى ثالوثٍ شعريّ لا ينكسر:
“ئهڤ دهم دهمێ ئازادیه،
ژ ڕووحهم ئهڤ ژیانه”
(هذا النفس هو نفس الحرية،
ومن روحي ينبض هذا الوجود)
هذه الكلمات ليست مجرد شعر، بل صرخة وجود. جكرخوين جعل من القصيدة سلاحًا ناعمًا، ومِن حبره خندقًا لا يُخترق. في دواوينه، نجد الكورد قضية فقط، وقيمة إنسانية وروحية.
شفاه الأمهات.. مدارس أولى للأدب
في ليالي الشتاء الطويلة، كانت الأمهات الكورديات يحكن الحكايات كما يحكن الصوف، كل كلمة تُغزَل بعناية، وكل نغمة تُقال بعاطفة. لم يكن الطفل يستمع فقط، بل كان يتشرّب التراث من أنفاس أمه. ومن بين تلك الحكايات، خُلِّدت ملاحم مثل (ميم و زين) التي كتبها أحمدي خاني في القرن السابع عشر. هذه القصة ليست فقط رواية حب مأساوي، بل وثيقة سياسية وأخلاقية بلغة شاعرٍ سبق زمانه. كتب خاني يقول:
((لو اجتمع الكورد على لغةٍ واحدة،
لصار لهم دولة بين الأمم)).
إنها رؤية تنطلق من الأدب نحو بناء مجتمع إنساني متفرد واخلاقي..
جمال الطبيعة في مرايا الشعر :
في الأدب الكوردي، لا تُوصف الطبيعة بوصفٍ سطحي، بل تُعاش. الطبيعة ليست مجرد خلفية بل شخصية حيّة، تنفعل، تغضب، تُحب. يقول شيركو بيكهس:
((الجبل ليس جداراً من حجر،
بل صدر أمٍّ أتكئ عليه حين يتعب الوطن)).
شيركو، شاعر الضوء والماء، جعل من الأنهار حبرًا، ومن الزهور عناوين كتب، ومن الشجر رسائل مشفّرة. في قصائده، تتحوّل كوردستان العراق من جغرافيا إلى أسطورة، ومن وطن إلى وجدان.
الأدب اختبار روحي ووجودي :
أن تكتب بالكوردية، في زمن كانت فيه اللغة محرّمة، كان فعلًا يتجاوز الشجاعة، ليصل إلى مرتبة الاختبار الروحي. كثير من الكتّاب كتبوا في ظلال التهديد، وبعضهم كتب من الزنازين أو المنافي.
كتب يوسف رزّا وهو في السجن:
((أكتب شعراً في زنزانةٍ لا نوافذ لها،
لأن القصيدة هي نافذتي الوحيدة)).
هذه العبارة ليست مجرد ترف شعري، بل توثيق لزمنٍ كان فيه القلم يُخفيه صاحبه كما يُخفى الخنجر.
خاتمة: حين تصبح الكلمات بيوتًا للشعوب
الأدب الكوردي يعيش في المتاحف، وفي الصدور، في الأهازيج، في دفاتر الطلبة، وفي مناشير المنفيين. إنه أدبٌ لم ينتظر اعترافًا خارجيًا ليكبر، بل نما في الطين، وتغذى على المطر، ونضج في الشمس الحارقة.
هذا الأدب، الذي ولد في العراء، دون مطبعة، ولا راعٍ رسمي، صار اليوم جسراً بين الماضي والمستقبل. كأنه يقول لنا:
((إذا ضاعت الأرض،
فلا تضيعوا اللغة،
لأنها الأرض التي لا تُحتل)).
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما..