سرى عمر محمد علي
هناك أهمية لقضية تمكين المرأة ومدى مشاركتها الفعالة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالمجتمع العراقي، لما للمجتمع العراقي من سيسيولوجيا خاصة، فعندما نستحضر هذا المجتمع، فيتبادر إلى أذهاننا تلك التركة الاجتماعية المعقدة والمتشابكة، ذلك لأن هذا المجتمع يحمل في أرجائه كافة العناصر والطبقات بدءاً من التقليدية وانتهاء بالمعاصرة والحداثة.
وأن قضية التمكين للمرأة تزداد بشكل واضح في ظل بعض المجتمعات التي تحصر دور المرأة في الإنجاب، وإدارة شؤون المنزل. وتزداد المشكلة تعقيداً خاصة في ظل أن القانون العراقي الذي يساوي بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات. وأهم المعوقات التي تواجه تمكين المرأة العراقية من أجل خدمة وتنمية مجتمعها. ومعرفة مدى اختلاف هذه المعوقات التي تعيق تمكين المرأة من أجل خدمة وتنمية مجتمعها، باختلاف النوع.
يشكل الحديث عن تمكين المرأة نقطة تقاطع ما بين ثقافة العزل والتهميش والتمييز وبين ثقافة النوع والمشاركة، فالثقافة السائدة تحول المرأة إلى كائن محبط مهمش فاقد لأبسط حقوق الانسانية باسم الشرف تارة وباسم الحفاظ على قيم الاسرة تارة أخرى غير أن عملية تمكين المرأة تفتح لها نوافذ وعي جديد بذاتها، وتهيئ المجتمع لخلق تصورات جديدة عن أدوارها.
وقد تزايد الاهتمام العالمي بشكل ملحوظ بقضية المرأة وضرورة مشاركتها وإدماجها في عمليات المساواة، والتنمية، والسلام، منذ المؤتمر العالمي الأول للمرأة في المكسيك عام 1975 والثاني في كوبنهاجن 1980، والمؤتمر الثالث في نيروبي 1985، كما بدأ ذلك واضحاً في نتائج المؤتمر الدولي الرابع للمرأة في بكين 1995 حيث أكدت نتائج وتوصيات هذه اللقاءات على بعض المصطلحات أو المناهج التي تحمل مفاهيم تنموية هامة مثل منهج التمكين للمرأة والذي يهدف إلى تعزيز صورة المرأة عن نفسها، وثقتها بقدراتها الذاتية، وقيمتها في المنزل والمجتمع.
وبالرغم من تلك المؤتمرات الدولية التي نادت بحقوق المرأة نجد حضوراً غير ملموس للمرأة في مجالات الحياة المختلفة وعلى رأسها المجال السياسي، وذلك بسبب العادات والتقاليد والميراث الفكري والثقافي السائد، أضف على ذلك أسباب وعوامل أخرى منها ارتفاع نسبة الأمية، وانخفاض وعي المرأة بدورها وحقوقها ومعوقات تمكين المرأة: عن معوقات تمكين المرأة يجعلنا نضع فرضية تنص على أن هناك مجموعة من العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والشخصية التي وقفت عائقاً من تمكين المرأة العراقية.
1- العوامل الاجتماعية: حصر المجتمع بنظرته الضيقة، وبخلفياته الثقافية والاجتماعية التقليدية والعرفية دور المرأة العربية في البيت وفي بعض الأعمال الفنية، كما أنه لم يضمن لها الحرية الكافية للتخطيط لمستقبلها بشكل حيادي، أو المساحات الكافية للاختيار، ووفق ثقافة المجتمع العربي القائمة على (ثقافة العيب والحرام من جهة) وعلى اعتبار المرأة أماً وزوجة في المقام الأول، فقد تم تحديد دورها الأهم في أسرتها فقط، وتقليص دورها في التنمية سواء كانت الاجتماعية أو الإدارية أو الثقافية أو السياسية.
وتوجد العديد من المعوقات والصعوبات ذات المضمون الاجتماعي، التي تعرقل انطلاق دور المرأة المساند والمكمل لدور الرجل في مجالات الحياة كافة. وعلى المستوى العراقي أن أسباب عزوف المرأة العراقية للعمل بالمشروعات الإنتاجية والصناعية المهمة والتي تماس كبير مجالات قوى التنمية البشرية التي يحتاجها البلد، هذه الأسباب تعود إلى اتجاهين هما:
– الاتجاه الأول: هو تقليدي محافظ: يرى في المرأة أنها كائناَ ضعيفاً وظيفتها في شئون الأسرة فقط، وأن دورها في تربية الأولاد ومسئوليتها عن الأسرة، وأن خروج المرأة مع الرجل خارج المنزل واختلاطها بالرجال أمر مناف للتعاليم الروحية والأعراف الاجتماعية.
– الاتجاه الثاني: وهو اتجاه يتميز بتحرره نسبياً، ويعترف بحق المرأة في العمل، ويرى هذا الاتجاه أن هناك مهن تتناسب وطبيعة عمل المرأة مثل مهن الخياطة، والتعليم والتربية، بينما هناك أعمال لا يجوز للمرأة العمل بها، وذلك لأنها تتعارض مع طبيعتها ومع التقاليد الاجتماعية الموروثة.
اضافة الى ان الموروث الاجتماعي السلبي تنعكس أثاره على المرأة مما يمنعها من ممارسة دورها في بناء المجتمع والمشاركة في عملية التنمية التي لا تتم إلا بتكامل الأدوار بين كل من المرأة والرجل، وما زال هذا الموروث يترك أثراً يحتاج إلى عمل جاد ودؤوب لتصحيح المفاهيم المغلوطة لهذه المعتقدات والمورثات ومن ثم الحفاظ على ما هو أصلي منها وتنقيتها مما هو نتيجة تراكمات لا أساس لها من الصحة.
وكأحد العوامل الاجتماعية فان الدين الإسلامي ليس له علاقة بأية ممارسات خاطئة تجاه المرأة، نظراً لأن مثل هذه الممارسات تعود في الأساس إلى عوامل اجتماعية وسياسية متمثلة في التنشئة والعادات والتقاليد التي يتوارثها الأفراد جيلا بعد جيل.
2- العوامل الاقتصادية والسياسية: يكتسب دور الحكومات أهمية خاصة في إقرار السياسات المتعلقة بخصوص المرأة، والمشاركة بين الرجال والنساء، وإزالة العقبات القانونية التي تميز ضد المرأة، والحكومات إذا أرادت فهي التي تدفع بالمرأة إلى مراكز القيادات، إلا إن الحكومات ما زال دورها ضعيفا في إيصال المرأة إلى السلطة التشريعية، وللأحزاب السياسية أيضا دورا هاما، حيث تعتبر نسبة مشاركة المرأة في الأحزاب السياسية متدنية جدًا، فالنساء عازفات عن الانتساب إلى الأحزاب السياسية، كما إن الأحزاب لا تتوجه للنساء:
– قلة الموارد المالية، فالدعم الذي تلقاه هذه المنظمات قليل جداً، وهذا يستلزم بناء استراتيجية مستمرة لتوفير الدعم والتمويل الذاتي والوطني لهذه المنظمات.
– غياب استراتيجية تمكين شاملة، وضعف الوعي بأهمية التمكين ومفهومه الحقيقي لدى هذه المنظمات وأجهزتها التنفيذية والقدرة على التوجه إلى جميع الشرائح النسائية والقواعد الشعبية خصوصاً المرأة الريفية.
– ضعف عملية بناء قدرات المنظمات النسائية وتحويلها إلى مؤسسات فاعلة ذات قيادات مؤهلة ومدربة.
– الافتقار إلى التفاعل والتواصل وتبادر الخبرات مع الأطراف المختلفة ذات الخبرات والإمكانيات.
– وجود القوانين المقيدة لنشاط الجمعيات، فالتشريعات العربية تقيد بدرجات متفاوتة حرية تكوين الجمعيات وتخضعها عندما تنشأ لأشكال مختلفة من الإشراف والرقابة.
3- العوامل الشخصية: أن هناك معوقات للمشاركة الفعالة للمرأة في أنشطة المجتمع المختلفة، وأن تلك المعوقات دائما ترتبط بعوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية ،إلا أن هناك معوقات شخصية لدى المرأة وتصوراتها حول قدراتها وأدوارها، وهو ما يحول دون أن تستفيد من الفرص المتاحة أمامها للمشاركة الرسمية واكتساب الأدوار والمكانات القيادية ليست فقط التطوعية، وإنما الرسمية لأنه على الرغم من ما إتاحته القوانين والتشريعات من فرص المشاركة إلا أن المرأة لم تستفد منها على قدر توفرها، وهو يؤكد على فكرة التمكين والمساعدة الذاتية للحصول على تلك الفرص .
والمعوقات الشخصية هي تلك المرتبطة بالمرأة نفسها وتتضمن ضعف قدرة المرأة على تنظيم الوقت، والخوف من الفشل، وكذلك خوف النساء من تحمل المسئوليات الاجتماعية وعدولهن عن القيام بمهام تتطلب الخروج من البيت والبقاء خارجه مدة طويلة وعدم الرغبة في الانضمام إلى المؤسسات الاجتماعية.
تنوع العوامل المؤثرة على عملية تمكين المرأة، فقد شملت هذه العوامل متعلقة بالعادات والتقاليد والمورثات الاجتماعية، وعوامل اقتصادية وأخرى ذاتية تتعلق بالمرأة نفسها. أما عن أكثر هذه العوامل وأشدها تأثيراً على تمكين المرأة العراقية لخدمة وتنمية مجتمعها فهذا ما سوف تكشف عنه الدراسة الميدانية التالية.
أن أي قضية خاصة بالمرأة يجب النظر اليها بوصفها مشكلة اجتماعية، ناتجة عن خصائص اجتماعية خاصة بكل مجتمع.