قراءة في مذكرات فريق أول الركن فوزي حميد الشمري

محمد علي محيي الدين

من محاسن العهد الجديد أنه أزاح الغشاوة عن الأقلام، وفتح النوافذ مشرعة أمام الكتابة والتدوين، فغدا لكل مؤلف وكاتب عراقي الحق في أن يبوح بما يريد، وينشر ما يشاء، دون أن يطرق أبواب الرقابة أو يستجدي موافقات هذه الجهة أو تلك. وهكذا شهدت المكتبات العراقية والعربية فيضًا من المؤلفات، صدرت بالآلاف في شتى ميادين المعرفة والفن، تضمنت الكثير مما كان يعدّ في العهود السابقة من المحرّمات أو الممنوعات.

وكانت المذكرات والسير الشخصية من بين أكثر ما حظي بالاهتمام؛ إذ طالما أُجّل نشرها إلى ما بعد رحيل أصحابها، أو هُرّبت إلى خارج العراق لتصدر هناك بعيدًا عن عيون الرقيب. لكن هذا التغير أتاح أن ترى النور عشرات، بل مئات الكتب التي ضمّت مذكرات لقادة سياسيين وعسكريين وأدباء كبار، كاشفة عن مسكوت عنه ظلّ طويلاً من الأسرار المضمرة. ومن بين تلك المذكرات اللافتة ما كتبه الفريق أول الركن فوزي حميد الشمري، تحت عنوان مثير للانتباه: (رحلة في ذاكرة قائد – بين الحقيقة والزيف (من المسافة صفر)، الذي صدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل سنة 2025، وهو عنوان يشي بما تحمله الصفحات من مكاشفة، إذ لا شيء يفتن القارئ بقدر بحثه عن الحقيقة.

ولكي نفهم هذه المذكرات، لابد أن نتوقف عند سيرة صاحبها؛ فهذا القائد الكبير، الفريق أول الركن فوزي حميد الشمري، ضابط مشهود له، شق طريقه من أدنى المراتب العسكرية حتى بلغ أعلى المواقع القيادية، قائداً للفيلق. وهو ابن ناحية الكفل في محافظة بابل، من أسرة عُرفت بنشاطها السياسي وميولها اليسارية، حتى انتمى بعض أبنائها للحزب الشيوعي العراقي. منذ شبابه كان في قلب الأحداث، فقد شارك في التظاهرات العارمة التي اجتاحت العراق استنكارًا للعدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، وكان من المساندين بثبات لثورة الرابع عشر من تموز 1958.

وحين أكمل دراسته الأولية التحق بالكلية العسكرية سنة 1960، لكن سوء طالعه أن تخرّج عام 1963، العام المشحون بالانقلابات والدماء. ففي يوم التخرج، وأمام كبار القادة السياسيين والعسكريين وعوائل الطلبة، وبعد أن ارتدى هو وزملاؤه بزاتهم العسكرية الخاصة بالاحتفال، ناداهم أحد الضباط، فاختار مجموعة بينهم، وأُبلغوا بأنهم (مكمّلون) في بعض الدروس، كذريعة مكشوفة، وما هي إلا لحظات حتى سيقوا إلى السجن، وتعرضوا للضرب والإهانة. وشُكّلت لجنة تحقيقية برئاسة الرائد الركن طه نوري الشكرجي، المعروف ببعثيته وتعصبه، وكانت التهمة جاهزة: الانتماء إلى الشيوعيين أو القاسميين. ومن بين الأسئلة التي وُجّهت له: عن اللافتة المعلّقة على دارهم وقد كُتب عليها: (وطن حر وشعب سعيد). أنكر معرفته بمن وضعها، ولكن التحقيق كان شكليًا، فزُجّوا إلى سجن رقم (1)، وكانوا خمسين طالبًا ذاقوا صنوف العذاب. وبعد أيام صدر الحكم: من ثبت انتماؤه حُكم بالسجن لسنوات متفاوتة، ومن لم تثبت عليه التهمة أُطلق سراحه، وكان الشمري من بينهم. ثم صدر المرسوم الجمهوري بمنحه رتبة ملازم، ليلتحق رسميًا بالجيش العراقي عام 1963.

من هناك ابتدأ مشواره العسكري، متنقلاً بين الوحدات القتالية، حتى نال دبلومًا في فن القيادة من جامعة “فيزترل” في “سولجنا كورسك” – موسكو، في الاتحاد السوفيتي السابق، سنة كاملة من التكوين العسكري الراقي. وفي عام 1970 نُسب مدرسًا في الكلية العسكرية، ثم أكمل دراسته العليا فنال شهادة الماجستير في العلوم العسكرية من كلية الأركان والقيادة العراقية سنة 1972، ليعود مدرسًا فيها، ويسهم بين عامي 1978 و1980 في تخريج أعداد كبيرة من القادة وضباط الركن. بعدها انتُدب لقيادة لواء المشاة الآلي 46 في قاطع سومار، متدرجًا في سلم المهام القيادية.

شارك الشمري في العديد من الدورات العسكرية المتنوعة، شملت فنون القتال والأسلحة والحروب الجبلية. كما التحق بدورة إعداد (خريطة الطريق للقادة) في أحد معاهد إعداد القادة في واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية. وهناك، وبفضل تفوقه الملحوظ، انتقل من موقع الطالب إلى موقع المدرّس، ليؤدي دور المحلل السياسي الأقدم في شؤون الشرق الأوسط لدى إحدى الشركات الأمريكية لمدة سنتين. كما انتُخب عضو شرف في أكاديمية العلوم السياسية في نيويورك.

وفي إطار سعيه الأكاديمي، أوفد إلى جامعة الدفاع الوطني في الهند لدراسة التخطيط الاستراتيجي بمستوى يعادل الدكتوراه. غير أن صدام حسين ألغى الدورة قبل شهر من انتهائها، فأبى الشمري أن يعود، معلنًا تمرّده على السلطة، واختار اللجوء إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1986، حيث انخرط لاحقًا في صفوف المعارضة العراقية سنة 1999، وبقي ناشطًا حتى مؤتمر لندن الأخير عام 2002.

لقد دفع ثمن مواقفه غاليًا، إذ حُكم عليه بالإعدام غيابيًا، بعد أن سبقت ذلك جريمة إعدام خمسة من أفراد عائلته لأسباب تتصل بوطنيتهم وانتمائهم، وسُجن عدد آخر من ذويه لمدد متفاوتة. حتى في منفاه لم يسلم، فقد تعرض لمحاولتي اغتيال في أمريكا على يد عصابات تابعة لجهاز صدام المخابراتي.

ومع ذلك، ظل ثابتًا على مبدئه. فعندما سقط النظام عام 2003، رفض أن يعود ضمن جموع المعارضة التي تهافتت على مقاعد السلطة، متمسكًا بموقفه الرافض للاحتلال ومعارضًا لحل الجيش العراقي، تلك القوة التي رآها العمود الفقري للوطن. ولم يعد إلى العراق إلا عام 2008، بعد أن انقشع غبار السنوات العاصفة.

في المذكرات محطات ملفتة للنظر منها موقفه من الحرب العبثية التي خاضتها الحكومة العراقية ضد الشعب الكوردي وهي المحطة الاولى في خدمته العسكرية واسماها (اقتتال الأخوة) فقد نسب للعمل في احدى الوحدات القتالية في منطقة (مانكيش) لموقفه المعروف من انقلاب البعث عام 1963 يقول: ((ومن بين الذكريات الدامية والمؤلمة والتي لا يمكن لي أن اسحقها هي سوقي من زنزانات المعتقل الرقم (۱) بعد تبرئة ساحتي الشكية ، نفيي الى سوح القتال في شمال العراق عراقنا الحبيب لمقاتلة ابناء شعبنا واخواننا الكورد الذي يشاركوننا جغرافية الوطن وتاريخه المجيد وديانته السمحاء ومجتمعه الكريم الوفي وقيمه الاخلاقية ، ارسالنا الى حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل ، ولا إيمان بخوضها ان نقاتل انفسنا سوقنا إلى ( حرب عصابات) الدائرة هناك في مناطق جبلية وعرة لا عهد لنا بها والقتال على قممها وفي سهولها ووديانها وخوانقها ، علماً بأنه لم يسبق لنا مشاهدتها من قبل على اقل تقدير ، لمقاتلة اخوان لنا اشداء من اجل نيل حقوقهم المشروعة والاعتراف الكامل بمواطنتهم التي يجب ان يتساوى فيها الجميع)).

وفي مكان آخر يخالطه الحزن لما حدث للشعب الكوردي من قتل وتشريد بعد اتفاقية عام 1975 مع شاه ايران وكيف تعاملت السلطة مع الشعب الكوردي رغم أن اغلبية الجيش العراقي كان متعاطفا مع حالتهم الانسانية لكن السلطة القمعية فرضت عليهم هذه الممارسة بالقوة.

كما يشير الى نقطة مهمة عند توصيفه لعمل الاستخبارات العسكرية وخروجها عن واجبها الحقيقي، فالاستخبارات وجدت لتقصي أخبار العدو ومعرفة نواياه وخططه المستقبلية، ولكنها استغلت للتجسس على الجنود ومراقبتهم وتصيد أخطائهم، فقد كانت عناصر الاستخبارات تقوم بمراقبة الرسائل الشخصية الواردة للمنتسبين أو الصادرة عنهم.

ويتحدث بإسهاب عن ممارسات بعض الآمرين وتصرفاتهم البعيدة عن الخلق العسكري النبيل، وما يعاملون به المراتب، وما جلبت تلك الممارسات من أخطاء أدت لكثير من الخسائر، مشيرا لبعضها بالأسماء كاشفا عن مخازيهم واعمالهم المرفوضة، ومعاناته من تصرفاتهم التي لا تتناسب وما جبل عليه من خلق كريم.

وتطرق الى بعض المعارك التي اسهم فيها وما حدث فيها من تجاوزات مرفوضة واخطاء كبيرة موازنا بين من عمل معهم من امري الوحدات او السرايا وتصرفاتهم مشيرا الى من تميز منهم بالخلق الرضي والالتزام العسكري والتقيد بالأوامر وتعاملهم مع من هم ادنى رتبة منهم، فهناك ضباط جديرون بالاحترام لما تحلوا به من خلق نبيل.

ويتحدث عن الحرب العراقية الايرانية وما جلبت من كوارث على العراقيين بسبب أصرار صدام حسين على تنفيذ اجندات خارجية، وبداية الحرب الخاطفة التي شنها على ايران، وأشار في أكثر من مواطن الى الخسائر التي تكبدها الجيش العراقي بسبب الخطط التي لا تستند الى العلم العسكري، بل هي من وحي رأي القائد الضرورة الذي لم يمارس العسكرية في حياته، وكانت أوامره الارتجالية وراء كثير من الخسائر والانكسارات التي مني بها الجيش العراقي في حرب الثماني سنوات، وكان قادة الجيش العراقي ينفذون ما يصدر منه دون أي معارضة رغم معرفتهم مسبقا بأن الفشل سيكون من نصيبهم بسبب هذه الخطط الارتجالية التي تفتقر لأبسط قواعد الحرب كما درسناها في الكليات الحربية.

ويتحدث عن المعارك التي خاضها في تلك الحرب، وعن الضباط الذين أعدموا بدون أسباب حقيقية وتحملوا أخطاء غيرهم، ومنهم ضباط اكفاء غرفوا بكفاءتهم وقدراتهم القتالية الخلاقة ومنهم من منح انواط الشجاعة في معارك سابقة ولم تشفع لهم وأعدموا بقرار منه وبدم بارد دون ان يستطيع أحد مناقشة القرار او قول الحقيقة وهو ما ولد حالة من التذمر وفع بعض العسكريين للالتحاق بالقوات الايرانية كاسري تخلصا من مرارة الحرب وشدتها ولعدم ايمانهم اساسا بأسبابها ومبرراتها.

والمذكرات ضمت كثير من الآراء والمعلومات العسكرية وناقشت الأمور بشكل عام دون الدخول في التفاصيل الصغيرة وأكدت في أكثر من مكان نقدا مرا لما يجري في المعارك وما ارتكب من اخطاء تعبويه وسوقية نتيجة الأوامر الفوقية التي لم تعط للقادة مساحة للتصرف وفق احتياجات المعركة، وخشية من أبداء آرائهم في الخطط الموضوعة رغم علمهم بما فيها من أخطاء، ومعظم الخسائر التي مني بها الجيش العراقي كانت بسبب الخطط الارتجالية لصدام حسين، وزج الجيش في معارك خاسرة غير مبررة.

وبسبب أراءه الجريئة نقل من اللواء الى كلية الاركان ولم يداوم في الكلية سوى يوم واحد ونقل بشكل فوري الى امر لواء المشاة 15 الذي تكبد خسائر كبيرة في معركة فاشلة أعدم على إثرها امره العقيد الركن ماجد عبد الحميد.

مرَّ المؤلف بمحطات عديدة من مسيرته، توقّف عندها بقلمٍ يتسم بالموضوعية وجرأة الطرح، فاستطاع أن يرسم ملامح تلك الأحداث بعين الشاهد الذي لا يجور ولا يجامل. وقد تناول معارك جسامًا كان له فيها حضور ومساهمة، مثل معركة سومار وعبور نهر الكارون، ومعارك المحمرة وبحيرة الأسماك وهور الحويزة والفاو، ليمضي بعد ذلك إلى صفحات أكثر خطورة حين كشف عن لقاءاته المتعددة بصدام حسين، حيث سعى إلى الغور في شخصيته وفك رموزها.

لقد أضاء المؤلف على نشأة صدام وتربيته، مبينًا كيف انعكست على تصرفاته كحاكمٍ لبلد عريق كالعراق؛ فهو رجل لا يعرف الثقة، يساوره الشك في كل من يحيط به، يتأرجح بين شجاعة متهورة وذكاء فطري، ويستمد حضوره من شخصية قوية ذات كاريزما آسرة، لكنها ممزوجة بنرجسية جارفة قلّلت من مهابتها. غروره لم يترك له إلا أن يرى نفسه الأعظم، ويضع ذاته في مصافّ الطغاة المتجبرين من أمثال فرعون ونمرود ونيرون.

ولم يتوقف المؤلف عند حدود السمات الشخصية، بل أزاح الستار عن وحشيته وقسوته، وما كان يحمله في داخله من أحقادٍ على كل معارضيه. فقد كان واحدًا من أشد الجلادين في قصر النهاية، مارس ألوانًا شتى من التعذيب، وصَفّى قادة سياسيين وعسكريين وحزبيين خشي أن ينازعوه السلطة. شنّ حربًا ضروسًا على الكورد، وتمادى في نهجه حتى بعد اتفاقية آذار؛ إذ حاول اغتيال الملا مصطفى البرزاني فأشعل الحرب مجددًا، ثم أبرم اتفاقه مع شاه إيران عام 1975، لينفذ حملة إبادة وتهجير وحرق طالت آلاف القرى الكردية، في سلسلة أفعال سوداء نقشها في ذاكرة العراقيين.

ثم يطوي المؤلف تلك الصفحات ليحدثنا عن تجربته في المعارضة بعد مغادرته العراق، وعن المؤتمرات التي حضرها وأسهم فيها، وصولًا إلى تأسيس (حركة الضباط لإنقاذ العراق)، مرورًا بمؤتمر لندن وما أعقبه من أحداث جسام بعد احتلال العراق وقيام النظام الجديد.

قد يعجبك ايضا