“الميراث الحقيقي أن تترك اسمًا نظيفًا يذكرك به الناس

ديار كاظم

في ذكرى رحيلك في صبيحة 20 / ايلول / 2009 أحب أن أتذكّر بعض أحاديث والدي عندما كنّا نناقش بعض الأمور العائلية، وكان يروي سيرته عن ماضيه وشبابه والأحداث المريرة والمغامرات المرتبطة بالقضية الكوردية، يتحدث بحرقة وصدق.
لقد وُلِد في زمن الملكية سنة 1938، ورأى سقوطها وقيام الجمهورية، وعاصر حكم عبد الكريم، ثم السلام والرحمن، فالبكر، فصدام، ثم الياور والطالباني، وأخيراً السلطة الكوردية.

الوالد كان خياطاً، بينما والده كان نقاراً، وأخوه الأكبر تاجراً لبضائع التجزئة. كانوا جميعاً من أصحاب المهن والحرف.
وبعد تبلور الأفكار القومية والثورية في ستينيات القرن الماضي، وبالأخص في 11 أيلول 1961، يوم اندلاع الثورة الكوردية، تم إلقاء القبض عليهم بتهمة انتمائهم للتنظيمات الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ونُقل إلى سجن الرمادي، فيما سُجن العم قاسم في الموصل، والجد عبد الرحمن پرى في البصرة.

يقول والدي: “بعد ستة أشهر من السجن والتعذيب أُطلق سراحنا، ونقلونا بحافلة إلى بغداد، وأعطى كل واحد منا أجرة الطريق والإيواء والطعام، وكانت ثلاثة دنانير. عندما وصلت بغداد التقيت بالرئيس ميرحاج عقراوي، أحد الضباط الذين شاركوا مع البارزاني في تأسيس جمهورية مهاباد والتحقوا معه إلى الاتحاد السوفيتي حتى قيام الجمهورية ثم عادوا إلى العراق، حيث كان من أبناء حارته وجيرانه، يقول التحقت به وقلت له: أنا ابن فلان. نظر إليّ وقال: ماذا تفعل في بغداد؟ هل أنت طالب؟ قلت: لا. قال: تعمل في التجارة؟ قلت: لا. قال: إذن ماذا تفعل في بغداد؟ هذه مدينة مليئة بالمشاكل، عليك أن تعتني بنفسك” ثم قال: تعال، اروِ لي أخبار عقرة- كان مقيماً في أحد فنادق شارع الرشيد، فجلسنا في صالة الفندق، وقلت له إنني خرجت لتوي من السجن، ورويت له أحداث عقرة والحلف الشهير الذي عقدته لاداء بعض العوائل ذات الصلة بالقضية الكوردية في بيوت أعيان عقرة بان لا يلتحقوا بالثورة والبارزاني، وأن يؤيدوهم.”

حينها توقّف الرئيس قليلاً، ثم قال بعمق: “أنت في ريعان شبابك وأمامك طريق طويل. ما مهنتك؟” قلت: أنا خياط. قال: “جيد، اعمل في عقرة، ولا تتدخل في شؤون أحد، واحرص على كرامتك وقوميتك، ولا تتعامل مع الجحوش والمرتزقة، وكن مواطناً صالحاً ولا تخن الثوار والبشمركة، وإذا لم تجد عملاً في عقرة، فارحل إلى أربيل، فهناك ستكون بأمان. لأن الحل في النهاية مع بغداد، وهم سيقررون مصيرنا لا تعرّض نفسك للسجن والنهب والقتل والتهجير، فستعود في النهاية كما كنت.”
ويقول والدي في نفسه: “لماذا جلست مع هذا الرجل ؟” لكنه يعترف أن كلماته، رغم قسوتها، طبعت في ذاكرته – والى الان لم يتغير اي شي والعراق على نفس المنوال ولم يتغير العقلية الشوفينية.

ويتذكر عن شبابه قائلاً: “كنت أنا وقريبنا شاكر عسكو من أبناء الحارة صديقين في المهنة، فتحنا دكاناً للخياطة، وكنا نعمل، لكن أخبار الثورة كانت في ذروتها، والمرتزقة كانوا يؤذوننا ويأخذون منا الجزية والضرائب، لذا في صباح يوم من نيسان سنة 1963 التحقت بقوات البيشمركة.
كان عمي مام زبير مسؤول مخازن الأرزاق للثورة في بيتواته، وعندما وصلت استقبلني وسأل عن أحوال عقرة وفرح كثيراً وقال: جيد أنك التحقت بنا. لتو فتحنا معملاً للخياطة لتفصيل ملابس البيشمركة، وأنت خياط، وعليك أن تلتحق بأمرية قوة علي شعبان.”

هناك أشرفت على معمل الخياطة حتى اتفاقية 11 آذار، وبعد اتفاقية الجزائر، كانت كلمات ميرحاج ترن في رأسي كالجرس: “سُجنت، أُرهقت جسدي في العمل في معمل الخياطة، نُهبت ممتلكاتي، واستُشهد أخي وابن أختي وزوجتي وابنتي، وصودرت الأموال المنقولة وغير المنقولة، وتم ترحيلي ثلاث مرات.” وانتهى كل شي بسبب مؤامرة جزائير السخيفة.
أما صديقي فقد أصبح من الشخصيات المرموقة، واكتفى بسماع نصيحة الرئيس رغم أنه لم يلتقِ به يوماً.
كان اسم والدي كاظم، لكنه سُجّل في أوراقه باسم آخر، “العائدون” أو “العائدون إلى الصف الوطني”، بعد انهيار ثورة أيلول باتفاقية الجزائر بين إيران والعراق سنة 1975لم يتمكن من العودة إلى مسقط رأسه إلا بعد الانتفاضة.

وفي نهاية عمره كان دائماً يعتذر لنا قائلاً: “أنا مذنب، لأنني لم أستطع أن أقدّم لكم العيش الكريم. كنت خياطاً ماهراً، وكان بإمكاني أن أوفر لكم الرفاه والاستقرار أكثر، كان بيتي مفتوحاً لكل من هبّ ودبّ، وكنت سبب رحيل والدتكم.” حيت التحقت بقوات البيشمرگة في عقرة لان الجحوش والمرتزقة قاموا برد الانتفاضة واحتلوا عقرة مرة اخرى وانا كنت في ديانا رافقت قوة من البيشمرگة لتحرير عقرة وكان كلما يتذكر ذلك، يعتذر.
ولم يستقر في منطقة محددة؛ تزوج في منطقة گلالة، وبعد انهيار الثورة لجأ إلى إيران، ثم عاد إلى العراق واستقر في الناصرية، ثم في المجمعات القسرية في كاني قرژاله، ثم في قضاء سوران الحالي، وبعد الانتفاضة عاد أخيراً إلى مسقط رأسه عقرة.

أختي الكبيرة اسمها ڤيان، من مواليد 1969. دخلت المدرسة في گلالة وكانت تدرس باللغة الكوردية. عندما هربوا إلى إيران كانت في الصف الثاني الابتدائي، لكن هناك أُعيدت إلى الصف الأول ودرست بالفارسية. وبعد عودتها إلى العراق أُعيدت مرة أخرى إلى الصف الأول، فكانت في العاشرة من عمرها وما زالت في البداية. وعندما وصلت إلى الصف الخامس كان عمرها 15 عاماً.
وقبل رحيله كان والدي يتذكر دائما هجّرت، اعتقلت، نُهبت، قُتل أخي، وماتت زوجتي وابنتي في الهجرة المليونية سنة 1991 ومات طفلين اخرين في المجهر، وضاع عمري، ولم يتغيّر شيء.”
لروحك السلام، فقد كنت وفياً لأهلك وأقاربك ووطنك، وذا مكارم أخلاق، وتركت لنا الارث الاكبر هو السمعة والوطنية والتضحية.

الملاحق: 1- كتاب رسمي بمصادرة الاموال المنقولة وغير منقولة لبعض عوائل عقرة من بينهم مصادرة بيت جدي عبدالرحمن و اخيه زبير.2 والدي مع اخيه قاسم استشهدة في گلالة سنة 1974والاخر الوالد في ايران مع العائلة والرجل الكاهل عم والدي مام زبير پرى كان قريباً من البارزاني- صورة لناحية گلالة قاعدة الثورة الكوردية ومدينة عقرة

قد يعجبك ايضا