ذات مساء – مدينة الطائر

خير الله المالكي

ذات مساءٍ، توّشتُ بُعداً يأتيني، حلمت أن أكون فيه، أبني مع الطيور عُشّاً بحجم الدار، يمتدّ بين جدران مدينةٍ تضحك فيها أفواه الصغار، ويغمرها بكاء الأمهات الفاقدات، مدينة تتغذى من نهر الأرامل، ويعلو فيها صوت الطيف كظلٍّ غريق لا يجد ضفافه.  هناك، الوطنُ ليس أرضاً ولا حدوداً، بل طائرٌ أسطوريّ يفرد جناحيه على الأرصفة، يرسمُ من الريشِ منابر، ومن العظامِ معابد، ومن الدموعِ أضرحةً تضيء بنذورٍ معلّقة، تصعد مع الطيور نحو المآذن، كأنها صلواتٌ مكسورة، كأنها معراجٌ ناقصٌ لم يكتمل.  مدينة-طائر، تحلّق بالعباد صوب سماوات غريبة، تغنّي بأصواتٍ مهشّمة، ضحكات الصغار صدى، ونواح الأمهات جرس، وأرواح الأرامل أجنحةٌ مبللة بالملح، ترتفع وتعود، ترتفع وتعود، كأنها في دورة أبدية بين السماء والأرض.  هناك فقط، يكون الوطنُ حُلماً، ويكون الحلمُ وطناً، ويكون المآلُ سراباً مقدّساً يحملنا جميعاً على أجنحة طائرٍ لا يعرف الهبوط.

قد يعجبك ايضا