العداوات بين الدول وغياب منطق السياسة للتغلب عليها

إعداد ـ التآخي

تكثر العداوات بين الدول في كثير من مناطق العالم ومنها منطقتنا في الشرق الاوسط، بعضها تعلن أسبابها والأكثر لا تعلن فيها الأسباب، ويمكن القول أنها تحولت إلى عداوات دائمة مع محاولة جر الشعوب إلى تلك العداوات؛ ولا يلجأ في العادة إلى لغة السياسة لحل الخلافات بل يجري التحريض المتواصل وإدامة الكراهية بين تلك الدول والشعوب، فما هي الأسباب التي تشعل العداوات ومحاولة جعلها مستمرة؟

تتداخل عوامل تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية لتُشكل شبكة من العداوات الدائمة. في كثير من الأحيان، قد تكون الأسباب المعلنة مجرد غطاء لأسباب أعمق وأكثر تعقيدا.

​تشكل ​النزاعات الحدودية احد اهم الاسباب، فغالبا ما تكون الحدود التي رُسمت بعد الحرب العالمية الأولى مصطنعة ولا تأخذ بعين الاعتبار التركيبة السكانية أو الروابط التاريخية، مما يُخلف نزاعات على الأراضي والثروات.

​كما ان للتدخلات الخارجية دورا هاما، اذ ان القوى الكبرى غالبا ما تؤدي دورا في تأجيج الصراعات عن طريق دعم أطراف ضد أخرى، سواء لتحقيق مصالح اقتصادية أو استراتيجية. هذا التدخل يُبقي على حالة من عدم الاستقرار ويمنع الوصول إلى حلول سلمية.

 

​كما ان الصراع على النفوذ يمثل عاملا آخر رئيسا فكل دولة تسعى لتوسيع نفوذها الإقليمي، سواء كان ذلك اقتصاديا أو عسكريا أو سياسيا، وهذا الصراع غالبا ما يؤدي إلى مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع دول أخرى تسعى لتحقيق الهدف نفسه.

​وتتمثل الأسباب الاقتصادية في رغبة ​السيطرة على الموارد، فالموارد الطبيعية مثل النفط والغاز والمياه هي من أهم أسباب النزاعات. الصراع على السيطرة على هذه الموارد يُعد دافعا رئيسا للعداوات المستمرة.

​و قد تتنافس الدول على الأسواق التجارية أو الاستثمارات، مما يؤدي إلى توترات سياسية تترجم إلى عداوات.

​وهناك الأسباب الاجتماعية والثقافية للنزاعات اذ تُستغل وتجري محاولة اثارة  الانقسامات المذهبية والعرقية، (مثل الصراع السني-الشيعي) والعرقية (مثل الصراع العربي-الفارسي)، وغيره لأغراض سياسية، مما يُعمق الكراهية ويُصعب من إمكانية التعايش السلمي.

​كما ان وسائل الإعلام غالبا ما تكون أداة تستغلها الحكومات للتحريض على الكراهية، عن طريق تضخيم الخلافات وتصوير “الآخر” كعدو.

​من المهم الإشارة إلى أن هذه الأسباب غالبا ما تتداخل وتتفاعل مع بعضها البعض. فنزاع على الحدود قد يكون له أبعاد اقتصادية واجتماعية، وتدخل خارجي قد يُعقد الأمور أكثر. هذه العوامل تُسهم في خلق بيئة يصعب فيها الوصول إلى حلول سلمية، وتُشجع على استمرارية العداوات بدلا من حلها.

معالجة العداوات والنزاعات

إن التوصل إلى سلام دائم في النزاعات ولنقل في منطقة الشرق الأوسط يتطلب منهجا شاملا ومتعدد الأبعاد، يعتمد على الحكمة والدبلوماسية والتعاون، ويستلهم من النماذج الناجحة في العالم، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية المنطقة.

​من ذلك  تبني الدبلوماسية والحوار فان ​الدبلوماسية الهادئة (Track II Diplomacy)، وتشجيع اللقاءات السرية وغير الرسمية بين ممثلين من الدول المتنازعة، بعيدا عن ضغوط الإعلام والسياسة الرسمية، هذا النوع من الحوار يساعد على بناء الثقة واستكشاف حلول غير تقليدية.

​وكذلك يجب اللجوء إلى وساطة من أطراف محايدة وذات مصداقية، سواء كانت دولا أو منظمات دولية، للمساعدة في تقريب وجهات النظر والوصول إلى حلول وسط.

​و يتوجب على الحكومات والمجتمع المدني العمل على ترسيخ ثقافة الحوار السلمي بدلا من ثقافة المواجهة والتحريض.

​ويجب السعي لتحقيق التعاون الاقتصادي والتكامل الإقليمي و​المصالح المشتركة، اذ يمكن أن يكون التعاون الاقتصادي حجر الزاوية في بناء السلام. عندما يكون للدول مصالح اقتصادية مشتركة، يصبح من الصعب عليها الدخول في صراعات. ​ومن الضروري إطلاق مشاريع إقليمية مشتركة في مجالات حيوية مثل الطاقة والمياه والبنية التحتية، مما يخلق ترابطا اقتصاديا ويجعل من الصراع أمرا مكلفا؛ ​كما ان إنشاء مناطق تجارة حرة بين الدول، يُشجع على التبادل التجاري ويزيد من الاعتماد المتبادل.

​ويجب الالتفات الى معالجة القضايا الداخلية بالتنمية الشاملة، فلا يمكن تحقيق سلام دائم من دون تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية في داخل الدول. الفقر والبطالة وغياب العدالة الاجتماعية يمكن أن تكون عوامل لتأجيج الصراعات.

 

​ويتوجب تعزيز المؤسسات الديمقراطية والشفافة التي تضمن حقوق السكان وتوفر لهم قنوات للتعبير عن آرائهم سلميا، كما ان ​للتعليم والتثقيف دورا كبيرا في علاج العداوات بين الدول: يجب أن يركز التعليم على نشر قيم التسامح والتعايش السلمي، وتصحيح الصور النمطية السلبية عن الآخر.

​وللمجتمع المدني ووسائل الإعلام، دور كبير،​  منظمات المجتمع المدني يمكن أن تؤدي دورا هاما في بناء السلام، بوساطة برامج الحوار والتبادل الثقافي، والضغط على الحكومات للتوصل إلى حلول سلمية، كما ان ​الإعلام المسؤول يوفر ذلك فيجب على وسائل الإعلام التوقف عن دورها كأداة للتحريض، وأن تتبنى خطابا إيجابيا يركز على المشترك بين الشعوب، ويشجع على التفاهم بدلا من الكراهية.

​ويمكن لدول الشرق الاوسط أن تستلهم من تجربة الاتحاد الأوروبي، الذي نشأ بعد حربين عالميتين مدمرتين، حيث تمكنت دوله من تجاوز خلافاتها التاريخية عن طريق التعاون الاقتصادي والسياسي؛​ وكذلك، ان تجربة دول جنوب شرق آسيا “الآسيان” في التعاون الإقليمي، برغم اختلافاتها العرقية والدينية، تقدم نموذجا آخر يحتذى به.

​إن الطريق إلى السلام ليس سهلا أو سريعا، ويتطلب إرادة سياسية حقيقية وشجاعة من القادة، وتفهما من الشعوب. لكن في ظل المخاطر التي تتهدد المنطقة، لم يعد السلام مجرد خيار، بل أصبح ضرورة حتمية للحفاظ على استقرارها ورفاهية شعوبها.

أسباب تافهة للعداوات والحروب

يمكن ذكر عديد الأمثلة التاريخية التي تبيّن كيف أن خلافات قد تظهر بسيطة أو تافهة في ظاهرها قد أدت إلى عواقب وخيمة وصراعات كبرى. هذه الأمثلة تبرز أهمية الحكمة في إدارة الأزمات وتجنّب التصعيد.

​أمثلة من التاريخ البعيد والقريب لتفاهة اسباب الحروب:  حرب الدلو (War of the Bucket) عام 1325، اذ تعدّ هذه الحرب مثالا كلاسيكيا لخلاف بسيط أدى إلى نزاع كبير. بدأت القصة عندما قام جنود من مدينة مودينا الإيطالية بالتسلل إلى مدينة بولونيا وسرقوا دلوا خشبيا من بئر.  هذا العمل عدته بولونيا إهانة كبيرة، مما أشعل فتيل حرب بين المدينتين. وبرغم أن الدلو كان مجرد رمز، إلا أن الصراع كان متجذرا في التنافس السياسي بين الفصائل المتناحرة في إيطاليا آنذاك.

أسفرت الحرب عن سقوط آلاف الضحايا، ويُحتفظ بالدلو المسروق حتى اليوم في برج جيرلاندينا بمدينة مودينا كرمز لهذا الصراع.

​ومن الحروب الاخرى  حادثة بورتوسا (Portsmouth Incident) عام 1898، ​هذه الحادثة توضح كيف يمكن لسوء فهم بسيط أن يؤدي إلى توترات دبلوماسية خطيرة. في عام 1898، قامت القوات الفرنسية ببناء حصن في منطقة بورتوسا (التي تُعرف الآن باسم ميناء بور سودان) على الحدود بين الأراضي الفرنسية والبريطانية في أفريقيا. بريطانيا عدت هذا العمل خرقا لاتفاقيات الحدود. وبرغم أن الحصن كان صغيرا ومهجورا، إلا أن بريطانيا عدته تهديدا لنفوذها، وقامت بإرسال سفن حربية إلى المنطقة. الحادثة كادت أن تؤدي إلى حرب بين البلدين، لولا تدخل الدبلوماسية في اللحظات الأخيرة.

​اما حرب الكلاب المريضة (War of the stray dogs) عام 1925، فتعد ​من أغرب النزاعات التي شهدها القرن العشرين. في تشرين الاول عام 1925، في منطقة الحدود بين اليونان وبلغاريا، عبر كلب ضال الحدود من بلغاريا إلى اليونان. تبعه جندي يوناني ليعيده، فقام جندي بلغاري بإطلاق النار عليه وقتله.  هذا الحادث البسيط تحول إلى صراع عسكري واسع النطاق، حيث غزت القوات اليونانية بلغاريا، مما أسفر عن مقتل عشرات من الجنود والمدنيين. لم يتوقف الصراع إلا بعد تدخل عصبة الأمم التي ألزمت اليونان بدفع تعويضات لبلغاريا.

​ما تظهره هذه الأمثلة هو أن الخلافات قد تكون مجرد قشة تقصم ظهر البعير. الأسباب الحقيقية للصراع غالبا ما تكون أعمق بكثير، مثل التنافس على النفوذ، أو الأيديولوجيات المتضاربة، أو الشعور بالإهانة التاريخية. هذه الخلافات “التافهة” تعمل فقط كشرارة تُشعل نارا كانت مستعدة للاشتعال بالفعل.

إعادة تعريف السياسة في الشرق الأوسط

مهمة أي سياسي في منطقتنا الآن لمواجهة النزاعات هي إدارة التغيير التي تتقاطع مساحاته بين مكونات ثلاثة: الدولة التي يعاد رسم حدودها وأدوارها، والمجتمع الذي يشهد تغيرات عميقة، والتطورات الجيوسياسية التي تتسم بالسيولة، ويضاف إلى الثلاثة: ضرورة إثراء فهمه للعالم من حوله، والطريقة التي يتغير بها، ومكانه فيه.

ستتواصل محاولات تقويض أو استكمال دور الدول في المنطقة. ومن المرجّح أن يتحقق هذا بالجهود المبذولة لتقليص حجمها وامتيازاتها، عن طريق حزم السياسات التي تروج لها المؤسسات المالية الدولية والتي تسير في اتجاه الخصخصة.

استطاعت دول المنطقة أن تثبت أنها أكثر مرونة مما كان متوقعا. وفي المستقبل سيظل التحكم في الدولة هو الأساس، وغالبا الضمانة الوحيدة لبقاء النخبة ومحاولة النأي عن اسباب العداوات.

ستواجه دول المنطقة الفجوة القديمة بين القدرة والتوقعات. يتوقع المواطنون من الدولة أن تحميهم وأن توفر لهم بخاصة الشباب فرصا جديدة وفقا للمقاييس العالمية، ومع ذلك فقد يشعرون أن هدف الدولة الوحيد هو السيطرة عليهم، وقد يؤدي ذلك إلى تنامي الإحباط وتقوية الانقسام بين النخب وبقية الشعب، وتأجيج مزيد من العداوات والصراع.

قد تستعرض الدول قوتها بوساطة القمع والمراقبة، وخصوصا إذا شعرت النخب أنها مهددة وأنها تخشى زوال القوة. ستتعلم الدول المتوحشة باستمرار من بعضها البعض كيفية التغلب على الاستياء الاجتماعي وكبح المعارضة السياسية، وعلى المستوى الإقليمي، قد تسعى نخب الدولة إلى بلوغ أقصى درجات القوة، وبالنتيجة اثارة مزيد من العداوات والنزاع.

قد تعطي الإستراتيجيات التي تعزز توحش الدولة بدلا من قوتها نتائج عكسية، وقد يؤدي تقويض شرعية الدولة إلى تحويلها إلى الفشل أو إلى إخفاق مشروعاتها السياسية، ويمكن أن يتفاقم هذا الوضع بسبب غياب قوى بديلة ذات وزن، سواء على المستوى المجتمعي أو على المستوى فوق الوطني. كما أن هذا قد يعزز أيضا من مطالب الانفصال بين مكونات الدولة.

المناصب القيادية بحاجة إلى نخب تولي الاهتمام بما يفكر فيه المواطن الاعتيادي وما يتوقعه من الدولة. سيوفر تواجد دول قوية الفرصة لنوع من الارتباط وتقاسم السلطة مع جهات فاعلة أخرى من المجتمع وقطاع المشروعات الخاصة، تحت اسم المشاركة في المسؤوليات والتعاون في التنمية؛ ويمكن ملاحظة اتجاهات مماثلة على امتداد المحور الرأسي من ديناميات المركز- الأطراف، وبشكل أكثر وضوحا بين العاصمة وأكثر المناطق تهميشا في كل بلد؛ مما سيؤدي إلى محاولات ناجحة ومبدعة لتفكيك مركزية القوة حتى تكون الدول أكثر قربا من مواطنيها، ولإطلاق العنان لإمكانياتها الاقتصادية والثقافية، والاتجاه نحو انهاء النزاعات مع الجوار.

كانت معظم دول المنطقة قوية من منظور احتكار استعمال الحكومات للعنف وتأمين الحدود. كانت هناك استثناءات قليلة لهذا: لبنان واليمن والصومال والعراق ابتداء من عام 2003، وأصبحت تلك المساحات ساحات للتنافس بين المتنافسين الإقليميين، وأضافت انتفاضات عام 2011 عدة دول أخرى إلى تلك القائمة: سوريا وليبيا، فضلا عن نمو الجهات الفاعلة غير الحكومية، وهذا ليس بالأمر الجديد، فقد ظهرت جهات فاعلة غير حكومية تاريخياً في مناطق مثل لبنان والعراق، حيث كانت الدولة ضعيفة.

لذلك أدى النمو في عدد الدول الضعيفة إلى جانب زيادة الفاعلين الإقليميين والدوليين الراغبين في رعايتها، إلى نمو مماثل في الجهات الفاعلة غير الحكومية، ولكن تم تضخيمه بعده وبتأثيره؛ رجحان الجهات الفاعلة غير الحكومية القائمة على سياسات الهوية، حين سيطرت مجموعات على العراق وسوريا ولبنان واليمن، ما تسبب في عدم توقف النزاعات.

تجتمع هذه التحولات لتقديم صورة جيوسياسية تظهر مختلفة تماما في عشرينات القرن الحالي عما كانت عليه في بداية العقد الأول قبل الانتفاضات: هناك المزيد من الدول غير المستقرة، والمزيد من الجهات الفاعلة غير الحكومية (المحلية والوطنية وعبر الوطنية) تعمل في داخلها، ومزيد من القوى الإقليمية والدولية المستعدة للتدخل، إما عن طريق رعاية اللاعبين المحليين أو نشر جيوشهم الخاصة، وهذه التحولات الهيكلية جميعا تجعل من المحتمل أن يجري امتصاص الساحات المستقرة سابقا.

قد تحتل المحركات الجديدة للنزاع الصدارة، الضغط الديمغرافي، والتوسع الحضري السريع، وتغيير المناخ وندرة الموارد الطبيعية، وانتقال الطاقة وتأثيرها على سوق العمل. “يجب أن يتغير كل شيء ليبقى كل شيء على حاله” هذا اقتباس من كتاب إيطالي شهير، لكنه ينطبق على تعريف السياسة في منطقة تتسم بالسيولة الشديدة، ويحيط بها عالم من عدم اليقين، وهي مرشحة مع الاسف لمزيد من العداوات والنزاعات بافتقار معظم تلك الدول الى قادة سياسيين فعلا يعرفون كيفية التصرف السليم في اوقات الزمات ولجم مكامن العداوات والصراعات التي لن تجلب لشعوبهم ودولهم الاستقرار المطلوب لبناء دول حديثة تليق بسكانها.

قد يعجبك ايضا