جاسم العقيلي
في عصرنا الحالي، لم يعد الإعلام مجرد نافذة نطل منها على العالم، بل أصبح المهندس الرئيسي للواقع الذي نعيشه، والمؤثر الأكبر في تشكيل العقل الجمعي، ذلك الكيان المفاهيمي الذي يمثل الأفكار والمشاعر والميول المشتركة لمجموعة بشرية كبيرة. يقول المفكر البريطاني ريتشارد إنجلس ” ان الإعلام هو القوة الأكثر تأثيراً في العالم ” .
العلاقة بين الإعلام والعقل الجمعي تعد علاقة تبادلية معقدة؛ فالإعلام يغذي العقل الجمعي ويشكله، وفي المقابل، يوجه العقل الجمعي جمهوره نحو وسائل إعلام تتوافق مع قناعاته. هذه العلاقة تحمل في طياتها وجهين: واحد مضيء وإيجابي، وآخر مظلم وسلبي .
الوجه المضيء يلعب الإعلام دوراً محورياً في تنمية الوعي الجمعي تجاه القضايا المهمة. من خلال التركيز على موضوعات مثل التغير المناخي، الصحة العامة، حقوق الإنسان، يصبح هذه القضايا على أجندة المجتمع، مما يحفز النقاش العام ويخلق ضغطاً لإيجاد حلول. وأيضا الحملات التوعوية ضد الأمراض والتطعيم هي مثال حي على كيف يصوغ الإعلام وعياً جمعياً إيجابياً يحمي الصحة العامة، كذلك المساهمة في حفظ التراث ونقل التقاليد وتعزيز الشعور بالانتماء. من خلال البرامج الوثائقية، والمسلسلات التاريخية، ويتم تقوية أواصر الهوية المشتركة وربط الأجيال بجذورها، مما يعزز التماسك الاجتماعي، وايضا الدور المحوري في دعم حركات اجتماعية إيجابية عابرة للحدود، حيث ساعد في تنظيم الاحتجاجات السلمية ونشر الوعي بالمطالب العادلة، مما يجسد قوة العقل الجمعي عندما يتم توجيهه نحو الخير .
أما الوجه المظلم للإعلام فعندما يستخدم كأداة للتلاعب واستقطاب الرأي العام، ويمكن أن يتحول إلى أداة خطيرة للتلاعب بالعقل الجمعي. من خلال تكرار رسائل معينة وتضخيم بعض الأخبار وتهميش أخرى ، ويتم هندسة الرأي العام ليتجه نحو وجهة نظر واحدة، مما يقتل التفكير النقدي الفردي ويخلق “قطيعاً” فكرياً يسير وراء ما يُملى عليه دون مساءلة. إذ يأثر على الصحة النفسية الجمعية من خلال التركيز المستمر على الأخبار السلبية، الكوارث، والجرائم ويخلق حالة من الخوف والقلق العام، وهي ظاهرة تعرف بـ “القلق الجمعي”. هذا يمكن أن يؤدي إلى تشاؤم مجتمعي شامل وانعدام الثقة في المستقبل .