رائد الهاشمي
كاتب وصحفي عراقي
منذ عام 2003 وحتى اليوم، ظلّت الانتخابات في العراق تُسّوق للمواطن العراقي باعتبارها (الطريق إلى التغيير) والوسيلة الوحيدة لاختيار ممثليه وبناء دولة عادلة, لكن مع مرور أكثر من عقدين، أصبح السؤال المُلح لدى شريحة واسعة من العراقيين هو لماذا نشارك أصلاً في انتخابات معروفة مخرجاتها مسبقاً وهي إعادة إنتاج نفس الوجوه والسياسات والأحزاب مع تغيير في الأسماء والديكور؟
فقدان الثقة بالطبقة السياسية
أول الأسباب التي تدفع المواطن العراقي وأنا منهم إلى مقاطعة الانتخابات هو انعدام الثقة بالطبقة السياسية,فمنذ عام 2003، تشكّلت حكومات متعاقبة رفعت شعارات الإصلاح والديمقراطية، لكنها في الواقع انغمست في صراعاتها الداخلية، وتقاسمت السلطة على أساس المحاصصة الطائفية والحزبية والنتيجة كانت واضحة (مؤسسات ضعيفة، برلمان منقسم، وقرارات تُدار وفق مصالح النخب لا مصلحة الناس).
تراكم المعاناة
المواطن العراقي جرّب على مدى أكثر من عشرين عاماً كل أشكال الوعود الانتخابية من تحسين الخدمات، القضاء على الفساد، خلق فرص العمل، إعادة هيبة الدولة، وبناء البنى التحتية, لكن دائماً كانت النتائج بعد الانتخابات هي الانهيارفي الكهرباء والماء والصحة والتعليم، وبطالة متفاقمة دفعت الشباب إلى الهجرة أو الانخراط في احتجاجات متكررة، كان أبرزها انتفاضة تشرين 2019 وازدياد معدلات الفقر والأمية والطلاق وغيرها ,وهذا التراكم من المعاناة جعل المواطن يشعر أن صوته الانتخابي لا يُترجم إلى أي تحسّن ملموس في حياته ففقد الأمل بالتغيير.
الفساد المستشري
الانتخابات العراقية غالباً ما تفرز قوى مرتبطة بملفات فساد كبرى، لم تُحاسَب ولم تُقدَّم للعدالة والفساد تحوّل إلى شبكة محمية بالسياسة والسلاح والمال، الأمر الذي جعل المواطن مقتنعاً بأن المشاركة في الاقتراع ما هي إلا تفويض جديد لنظام يستهلك موارده دون رقابة أو محاسبة.
شعور بالإحباط واللاجدوى
مع كل دورة انتخابية، يتكرر المشهد ذاته إقبال ضعيف، وعود انتخابية لامعة، ثم واقع لا يختلف عن سابقه,هذا الشعور المتكرر بالخيبة جعل كثيراً من العراقيين يرون أن المقاطعة أصبحت موقفاً سياسياً بحد ذاته، ورسالة احتجاج على نظام لم ينجح في بناء دولة حقيقية.
ما بعد المقاطعة
المقاطعة لا تعني اللامبالاة كما يُصوَّر أحياناً، بل تعني رفضاً صريحاً لمنظومة فقدت شرعيتها بنظر الناس, المواطن العراقي يريد انتخابات حقيقية تفتح المجال لوجوه جديدة، لقوى شابة، ولبرامج إصلاحية واقعية، لا أن تكون مجرد إعادة تدوير للنخبة ذاتها.
الخلاصة:
مقاطعة الانتخابات العراقية ليست نزوة فردية، بل تعبير جماعي عن تراكم طويل من الإحباط والمعاناة وهي صرخة احتجاج على واقع سياسي لم يتغير منذ 2003، وعلى طبقة سياسية لم تفهم بعد أن شرعية الحكم تُبنى بثقة المواطن لا بصناديق انتخابية تُفرَغ من معناها.