متابعة – التآخي
في كل يوم، تتحرك المياه بصمت عبر تجارة الغذاء العالمية، من دون أن يلحظها معظم الناس.
ملايين الأطنان من الحبوب والسلع الزراعية تعبر الحدود الدولية؛ قمح من كنساس يصل إلى القاهرة، أرز من فيتنام يُعرض على رفوف المتاجر في لندن، وفول صويا من البرازيل يُستهلك في مزارع تربية الحيوانات بأوروبا وآسيا.
وبرغم أن المستهلك لا يرى سوى المنتج النهائي، فإن كل حبة قمح أو حبة أرز تحمل في طياتها “مياها خفية” استُغلت لزراعتها – مياه قد تكون شحيحة ونادرة في موطنها الأصلي.
هذه الظاهرة تُعرف باسم “المياه الافتراضية” (Virtual Water)، أي حجم المياه المستهلك في إنتاج السلع الزراعية والغذائية التي تُنقل لاحقا إلى أسواق أخرى.
إنها ليست مياها معبأة في زجاجات، لكنها حقيقية مثل أي بحيرة أو نهر أو خزان، وهجرتها عبر سلاسل التجارة الدولية تترك آثارا اجتماعية وبيئية عميقة.
عندما تستورد دولة ما غذاء من الخارج، فإنها في الواقع “تستورد مياها” استعملت في زراعة تلك المحاصيل، بهذا الشكل، توفر الدول الغنية جزءا من مواردها المائية، لأنها تعتمد على مياه دول أخرى.
أما الدول المصدّرة، فهي على العكس تماما؛ تُصدّر محاصيلها الزراعية محملة بالمياه التي لا تعود إليها مرة أخرى، حتى وإن كانت تواجه في الأصل أزمة ندرة.
بحسب تقرير جديد صادر عن معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة (UNU-INWEH)، فإن هذا النظام المعقد ليس متوازنا كما يظهر: في حين يسهم في تقليل الضغوط المائية على بعض المناطق، فإنه يزيدها على مناطق أخرى، خصوصا في الدول الفقيرة أو بين الشرائح الاجتماعية الأقل دخلا.
الفجوة بين الرابحين والخاسرين؛ الأرقام تكشف تناقضا صارخا: نحو 75% من سكان الدول الغنية يستفيدون من انخفاض ندرة المياه بفضل استيراد الغذاء، في المقابل، يستفيد 62% فقط من سكان الدول الفقيرة من هذا الأثر الإيجابي.
لكن الوجه الآخر أكثر قسوة: 37% من سكان الدول الفقيرة يواجهون ضغوطا مائية متزايدة، مقارنة بـ22% من سكان الدول الغنية.
الخطير أن الفئات التي تتضرر أكثر هي نفسها التي تملك أقل قدر من الموارد للتكيّف مع الأزمة، سواء عبر شراء بدائل أو الاستثمار في تقنيات الري الحديثة.
أن التجارة الزراعية ترسم خريطة غير عادلة لتوزيع المياه: مناطق مثل شمال الصين، شمال إفريقيا، وأجزاء من أوروبا تحقق مكاسب واضحة من تجارة المياه الافتراضية، في حين أن مناطق مثل الهند، باكستان، أستراليا الشرقية، والولايات الوسطى في الولايات المتحدة تدفع ثمنا باهظا، حيث يتفاقم الضغط على مواردها المائية.
يقول البروفيسور كاوه مدني، مدير UNU-INWEH وأحد مؤلفي التقرير “تجارة المياه الافتراضية تجسد صورة من صور انعدام العدالة البيئية عالميا، اذ تتحمّل الفئات الأضعف الكلفة الأكبر، بينما يستفيد الأقوى“.
ولا تنتج التجارة الزراعية نتائج “إيجابية بالكامل” أو “سلبية بالكامل”، بل هي شبكة من المكاسب والخسائر، في داخل الدولة الواحدة، قد تستفيد طبقة اجتماعية أو منطقة جغرافية، فيما تتحمل أخرى أعباء متزايدة.
ويؤكد د. يُويه تشين، المؤلف الرئيس للتقرير: “التجارة الزراعية الدولية نادرا ما تفضي إلى نتائج خالصة، إنها منظومة معقدة تتطلب سياسات مائية وتجارية أكثر استهدافا وعدالة.”
التقرير الأممي يحذر من الاكتفاء بمؤشرات وطنية عامة، ويدعو الحكومات إلى النظر في التأثيرات غير المتكافئة على الفئات داخل مجتمعاتها.
ومن بين التوصيات: إجراءات اجتماعية مباشرة،مثل دعم الأسر الفقيرة، وتوفير شبكات مياه آمنة، وبناء البنية التحتية للآبار والأنابيب، وكذلك إصلاحات زراعية بالتحول إلى الري بالتنقيط، وزراعة محاصيل أقل استهلاكا للمياه.
ويتوجب تنويع الشركاء التجاريين: كما فعلت الصين عبر تعديل مصادر استيراد الأرز والقمح لتخفيف الضغوط.
وكذلك يستدعي الامر إجراءات مالية: مثل وضع حدود سعرية أو إعانات مائية لحماية الفئات الأكثر هشاشة.
وأصبحت التجارة الزراعية أداة تربط مصير الشعوب ببعضها أكثر من أي وقت مضى. لكنها في المقابل تفرض مسؤوليات أخلاقية وسياسية؛ إذ لا يمكن للدول الغنية أن تستمر في استيراد الغذاء على حساب استنزاف موارد حيوية في مناطق فقيرة تواجه أصلا صعوبات وجودية.
ويختم البروفيسور كاوه قائلا: “النظام الحالي يجعل الأضعف أكثر هشاشة، تجاهل هذه الحقيقة لن يغيّرها، لا بد من مواجهة الواقع وإعادة التفكير في الطريقة التي ننقل بها الغذاء والمياه معا، إذا أردنا نظاما أكثر عدلا واستدامة”.
وشح المياه هو النقص في توفر المياه العذبة مقارنة بالطلب عليها، ويُعتبر أزمة عالمية تؤثر على مناطق كثيرة، منها العراق. تتعدد أسبابه بين قلة الأمطار والتغيرات المناخية، زيادة النمو السكاني، سوء الإدارة، والتلوث. في العراق، تتفاقم الأزمة بسبب تراجع منسوب نهري دجلة والفرات بفعل بناء السدود في دول المنبع (تركيا وإيران)، مما يؤثر على الزراعة، توفير مياه الشرب، البيئة، ويدفع بعض السكان إلى النزوح.
ومن أسباب شح المياه، انخفاض معدلات الأمطار وزيادة درجات الحرارة يقلل المخزون المائي، و زيادة عدد السكان تزيد من الطلب على المياه العذبة، وضعف في إدارة الموارد المائية، سوء توزيعها، وعدم تواجد بنية تحتية فعالة، وكذلك تلوث مصادر المياه بالمخلفات يقلل من المياه النظيفة المتاحة، وغير ذلك من الاسباب.
ونقص المياه يؤثر سلبا على الإنتاج الزراعي ويعطل الأراضي الزراعية و يؤدي إلى تدهور البيئة وتدمير النظم البيئية مثل الأهوار، و يؤدي شح المياه ونقص الموارد إلى نزوح السكان من مناطقهم.