نوري جاسم
لطالما شكّلت الأمثال الشعبية الكردية مرآة لوجدان الإنسان الكردي وتجربته التاريخية المتراكمة عبر القرون، ولم تكن هذه الأمثال مجرّد عبارات مختصرة تُتداول في الحياة اليومية بل كانت في كثير من الأحيان حاملة لحكم روحية عميقة تُحيل إلى مفاهيم صوفية خالدة. فالكرد، بعمق تديّنهم الشعبي واحتكاكهم المباشر بالطرق الصوفية منذ القرن الخامس الهجري، احتضنوا التصوف لا كمذهب ديني فحسب، بل كأسلوب حياة، وترسّخت هذه الرؤية الروحية في تعابيرهم الثقافية واللغوية اليومية، وفي مقدمتها الأمثال.
والتصوف الكوردي تأثر مبكراً بالمدرستين القادرية وامتدادها الطريقة الكسنزانية والنقشبندية، ومن خلالهما تسللت أفكار مثل التواضع، الزهد، الصبر، الفناء، والتسليم إلى الله إلى تفاصيل الحياة اليومية.
هذا الانعكاس الوجداني ظهر واضحاً في أمثال مثل “دەستی خالی بەرزە” أي “اليد الخالية مرفوعة”، وهي عبارة تختصر فلسفة الزهد الصوفي في التحرر من التملك والاعتماد على الكرم الإلهي، وهي تقابل بشكلٍ غير مباشر المعنى الذي أراده الشيخ عبد القادر الجيلاني (1077 – 1166م) قدست أسراره ، حين قال: “ما في اليد لله فلا تسأل ما عند الناس” وكما أن المثل الكوردي “ئیمان بەسە، گەر دڵ پاک بێت” أي “الإيمان يكفي إن كان القلب طاهراً” يعكس المفهوم الصوفي بأن الطهارة الحقيقية لا تقف عند حدود الطقوس بل تتجاوزها إلى باطن الإنسان، وهذا صدى واضح لتعاليم الإمام معروف الكرخي قدست اسراره (انتقل عام 815م)، الذي كان يُردد أن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن إلى قلوبكم، وهي فكرة مركزية في التصوف الإسلامي. وتتردد أيضاً في الأمثال الكوردية حكم تؤكد على الصبر بوصفه طريق الواصلين إلى الله، كما في المثل “خێر لە ناخۆشیدایە” أي “الخيرة فيما كرهت”، حيث نجد قبساً من روح الزهد في الرضا بالمقدور، وهو ذات المعنى الذي عبّر عنه الشيخ أحمد الهكاري ( لنا قبل عام 1257م)، أحد أعلام التصوف العلوي في كردستان، في أقواله حول التسليم لما يقدّره الله دون اعتراض أو شكوى، فالعارف لا يرى في البلاء إلا امتحاناً. وأما المثل “کەس نەزانێ چی دڵ دێ بڵێت” أي “لا أحد يعلم ما يقوله القلب”، فهو يعبّر عن تجربة وجدانية داخلية عميقة تتماشى مع القول الصوفي الشهير: “العشق سرّ بين العاشق والمعشوق”، وهذا التوحد العاطفي بين الإنسان وربه كان جوهر التجربة الصوفية لدى الشيخ محمود البارزاني (1733 – 1831م)، الذي كان يرى في الصمت وسيلة للوصال الحقيقي بالله، أكثر من الكلام. والمعاني الرمزية في الأمثال الكوردية كانت في كثير من الأحيان نتاجاً مباشراً لاحتكاك المجتمع الكوردي بشيوخ التصوف الذين لم ينعزلوا عن الناس بل عاشوا بينهم، أكلوا معهم، وبكوا على آلامهم، وبذلك تسربت فلسفتهم إلى ضمير الجماعة، لا عبر الكتب بل بالأمثال التي تتناقلها الألسن. هذا ما يجعل المثل الصوفي الكوردي أكثر حضوراً وعمقاً من آلاف الخطب.
ومن الأمثلة التي تُجسد معنى “الفناء” في الله، وهو من أرقى مقامات التصوف، نذكر المثل: “تەنیا ڕەنگە نەبێ، هەموی ناوەکەیە” أي “هو فقط لون، وكل شيء اسمه”، وهو تعبيرٌ رمزي يشير إلى أن الكثرة الظاهرة ما هي إلا تجليات للواحد الأحد، وهذا المفهوم توحيدي بامتياز، نجده في كتابات الصوفي الكوردي ملا جزيري (1570 – 1640م) الذي كانت قصائده تدور حول الوجود والعشق، حيث يُرى الخالق في كل ما هو مخلوق.
وفي المقابل، نجد أن التصوف الكوردي كان أيضاً حذر من الغرور الديني، وهو ما تجسده أمثال مثل “دەروێش بە مەسکەن دەناسرێت، نە بە قەبا” أي “الدرويش يُعرف بمسكنته لا بثوبه”، وهذا المثل تكرار شعبي لما قاله الشيخ أحمد الخاني (1650 – 1707م) في مقدمة “مم و زين” من أن الحقيقة ليست في المظاهر بل في جوهر الإنسان وتواضعه وخدمته للناس، وهي خصال كان يعتبرها أدلةً على صفاء الباطن.
إلى جانب الحكم الأخلاقية والدينية، فإن بعض الأمثال الكوردية التي تبدو دنيوية هي في حقيقتها عبارات صوفية خالصة، مثل “با بەخشش بۆ خۆت بێت، نە بۆ پێنووسەکەت” أي “ليكن العطاء من نصيبك لا بقلمك”، وهي دعوة إلى الاعتماد على الفضل الإلهي بدلاً من الحيلة البشرية، وهو جوهر الموقف الصوفي الذي يعبر عن “الركون إلى الله” بدلاً من “الركون إلى النفس”. وإن الحكمة الصوفية المتغلغلة في الأمثال الكردية الشعبية لا تُعد من تراث الماضي بل هي استمرار لروحٍ حيّة ما زالت تسكن العقل الجمعي الكوردي. إنها ليست تعبيراً عن فلسفة عليا مجردة بل عن تجربة إنسانية واقعية عاشها الفلاح والراعي والمرأة والأطفال، لأنها خرجت من تكايا التصوف لا لتبقى هناك، بل لتسكن السوق والمجلس والبيت والموقد. ولهذا تظل هذه الأمثال، رغم بساطتها الظاهرة، منجمًا غنيًا لفهم عمق التصوف الكوردي، ومرآة صافية لروحه، التي لم تكن يومًا هروبًا من الواقع، بل مواجهةً له بحكمة القلب وروح المحبة…
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..