أن قصة مأساة الكورد الفيلية لم تقتصر على زمن التهجير فقط، بل بدأت منذ معاهدة الزهاب عام ( 1639)”

اعداد: عدنان رحمن

              في العام 2025 ببغداد عن دار ومكتبة عدنان- المتنبي صدرت الطبعة الاولى بجزأين كتاب بعنوان ( جبال زاگـروس وعشائر لورستان الغربية- اللور الصغير-) للاستاذ سلام برزو، التي كتبها عام 2021، والتي كان عنوان الجزء الاول منها ( العشائر الكوردية- العراق 2- لورستان الغربية)، والعنوان المعروض ورد في متن الكتاب، ومنه ما ورد في مقدمته:

– ” المقدمة: حينما قررت ترجمة كتاب الدكتور سكندر أمان اللهي بهاروند حول اللور، شعرتبأنني طرقت بابا يصعب الخروج منه، وبدأتُ في مطالعة خيرة الكتب التي تتحدث عن لورستان الغربية اللور الصغير)، ولورستان الشرقية (اللور الكبير، ولا سيما كتاب الباحث الجليل جعفر خيتال حول عشائر پشتکوه ایلام، وكتاب المرحوم الباحثسلمان مهدي وكتاب الدكتور إسماعيل قمندار حول اللهجات الكوردية الجنوبية، وكتاب الدكتور حميد ايزد پناه حول اللور بصورة عامة، وكتاب الدكتورخليل إسماعيل محمد حول الكورد الفيليين بين سياسة التعريب والتهجير وكتاب الدكتور سکندر امان اللهي بهاروند حول اللور. رأيتُ من الضروري الإفادة من المعلومات التي ذكروها. قد ينتفع منها الإنسان الكوردي الفيلي، ليكون على عِلم ودرايةبمكانته الحقيقية، وسط تراكمات الأحداث التي يمر بها الشرق الأدنى منذ عصور التأريخ ليقف على ضفاف الحقيقة في رؤية خالصة، وليترسخ تفاؤله بالحياة بقدر عميق. قد يبدو مفهوم العمل الخاص الذي قمتُ به على إعداد كتاب يجمع آراءالمختصين وأفكارهم بالشأن الكوردي الفيلي بمنزلة خطوة غير سليمة لدى البعض من القراء، ولكنني تعاملت مع الموضوع بروح إيجابية وديناميكية من خلال جمع المعلومات الكاملة عن القبائل والعشائر اللورستانية، ووضعها في إطار علمي بعيدا عنالروايات، والأساطير الخرافية، فإذا كان أحد القراء غير راض فهو مدعو إلى إجراء مزيد من البحث والتحقيق ؛ لأنَّ عملي هذا بمنزلة مشروع تعاوني يسهم فيه الجميع، من مؤرخ، وباحث، وكاتب، وقارئ، وناقد في الكتاب المتواضع الذي بين أيديكم سوف نتعرف خلاله على الأقوام والقبائل التي عاشت في سلسلة جبال زاگروس الوسطى بدقة، وارتباطها بتلك التي عاشت في بلاد ما بين النهرين في القرون الماضية، وفي الزمن الحاضر القريب، وسوف تتضح معالم تأريخ الكورد الفيليين القديم والحديث بالعكس من كان يعتقد بأنهم دون تأريخ، وبلا ثقافة، وأنهم قوم هجين. وبما إنَّ التأريخ سلسلة مترابطة من الأحداث، فما بالنا أن نترك حقائق الأمور تمضي هذا دون التمعن والبحث فيها. فإنَّ تأريخ عيلام ارتبط جدليًا بتاريخ. سومر وأكد، وآشور، وكاشي واحتضنت جبال زاگروس الكثير من الشعوب والقبائل الوافدة من القوقاز، وآسيا الصغرى التي اختلطت وانصهرت بالسكان المحليين (قوم زاگروس). وحينما يذكر التأريخ بأن قوم الكاشيين – وهم من الأقوام الأزياتيكية – كانوا يعيشون في لورستان الکبری (پشتکوه ایلام و پیشکوه ،لورستان والبختيارية)، وما زحفهم العظيم من مرتفعات أيلام ( جبال حمرين) لاحتلال بابل وأسقطوا حكومتها، وحكموها خمسة قرون؛ هو من روائع تأريخ الشرق الأدنى. فمن هذا المنطلق ليس من المعقول دراسة تأريخ شعب وأمةٍ بمعزل عن سائر الأمم والشعوب. وللسبب نفسه يمكن القول: إنَّ كلَّ واحدة منها أسهمت بجزء، وإن كان صغيرًا في بناء صرح الحضارة البشرية. يقول أرنولد توينبي: إنَّه ( التأريخ) في الحقيقة دراسة للمجتمعات أو الحضارات البشرية التي قسمت إلى إحدى وعشرين حضارة انقرضت معظمها. ولميبق منها غير خمس حضارات يمكن إيجازها كالآتي: المسيحية الغربية والمسيحية الأرثوذكسية، والإسلامية، والهندية، والشرق الأقصى، إضافة إلى مخلفات مدة لا تقل عن حضارات تحجرت، وأصبحت من دون شخصية كاليهودية. يمكن على خلفية هذا الكتاب الوصول إلى حقيقة قبائل وأقوام زاگروس بأسلوب منهجي مادي تأريخي؛ ليتسع المجال لأبناء زاگروس التعرف على هويتهم القومية الضائعة والمسلوبة، بحيث يصبح نبراسًا يقتدون به، وألا يشعروا بتاتا بالضعف والهوانأمام الشعوب المجاورة. ولكي نلخص الأمر بأكبر قدر ممكن من الإيجاز فإنَّنا نسعى إلى فهم الواقع الاجتماعي والثقافي والديموغرافي لبلاد لورستان الكبرى پشتکوه ایلام پیشکوه ،لورستان والبختيارية ووضعها في إطار كتاب شامل، معذلك سيظل هناك بعض النواقص المطلوب من القارئ العزيز الإسهام في تكميلها تلبية لنداء الشعور الإنساني والقومي وسوف نركز اهتمامنا على المؤرخين، والباحثين الذين كتبوا عن لورستان الكبرى التي أطلق السلاجقة الأتراك تسمية اللور الكبير، واللور الصغير عليها، من خلال الطيفالواسع من الكتب التي تطرق فيها المهتمون بشأن لورستان الغربية ( الفيليةإذ هناك قائمة طويلة بأسمائهم، وكان هناك اتجاه نحو تقديم ما طرحه هؤلاء المؤرخون والباحثون والمثقفون من تلك التوليفة في كتاب واحد، وقد بادرت بوضع معظمالمعلومات بإعدادها وتحضيرها وتحريرها بشكل يليق ويلائم مذاق القارئ العزيز عسى أن أكون موفقا في جهدي هذا. وتقدمت الفكرة نفسها بوصفها جزءًا من نقد التركيز الزائد على العوامل الثقافية والاجتماعية على أن يصبح الكتاب مصدر مراجعة حديثة، وموجزة في المنطقة عمومًا، ومما لا شك فيه أنَّ الكورد الفيليين أطلقت التسمية على أبناء اللور الصغير الساكنين في العراق الذينتعرَّضوا إلى التهجير والتبعيد عن أراضيهم التاريخية في شرق دجلة إلى داخل العمق العراقي لتعريبهم، وإلى خارج حدود العراق للتخلص منهموإلصاق التهم الباطلة بهم، مما تنم عن عنصرية عربية جوفاء، حتى غدت ثقافتهم القومية في دائرة النسيان والإهمال. وعلى الرغم من المفاهيم المتداولة في المجتمع العراقي والكوردستاني علىالسواء، حول الشراكة، والوحدة الوطنية والقومية الواحدة التي يتحدث بها السياسيون العرب،والكورد، والإيرانيون عموما؛ فإنَّها لم تخرج عن دائرة الدعاية المذهبية والحزبية والإقليمية، حتى أصبحت حقوق الكورد الفيليين في مهب الريح. ومما تقدم يتضح أن قصة مأساة الكورد الفيلية لم تقتصر على زمن التهجير فقط، بل بدأت منذ معاهدة الزهاب عام ( 1639)، وإلى يومنا الراهن حينما تجزأت أراضيهم دون إرادتهم. على مدى السنوات الطوال، كان لأبناء الكورد الفيليين بصمة بارزة في تاريخ العراق القديم والحديث: إذ كانوا الفعل البشري وأدوات ووسائل إنتاج أمينة وصادقة في بناء المجتمع العراقي من مختلف النواحي، فكان فيهم المثقف، والسياسي، وعالم اللغة والآثار، والفنان، والرياضي والتاجر، والعامل، والفلاح، والطالب، والكاسب، والأستاذ، وكانوا جميعا عناصر نظيفة ونقية جميع الأحزاب السياسية العراقية اليسارية، والوطنية – القومية والإسلامية استفادت منهم، والسؤال الذي يراودني والآخرين من أبناء قومي، من قام منهم بتسديد الدين الملقاة عليه لهذا المكون القومي المتفانيوالمضحي دائما لتقدم العراق، وتطوره، وازدهاره؟أرى فسحة صغيرة، لأنقل حديث الأستاذ عبد المنعم الأعسم حول الكورد الفيليين، إذ قال: ( إنَّه لا بدَّ من الأخذ بالحسبان من قبل الجميع، حقيقة تأريخيةواجتماعية هي أن الكورد الفيليين في العراق ذات مكانة قومية، ومذهبية، وتأريخية وثقافية، وسكانية، أبرزت لهم مصالح وشبكة انتماءات، وحقوقا وطنية لا تتعارض مع انتمائهم القوميالكبير، ولا يجوز اختزالها أو تغييبها في هذا الانتماء وحده). ويستمر قائلا: ( إن الكورد الفيلية تمتاز بخصوصية في نسيج إنتمائهم القومي لا يصح تحريك عناصرها أو الاجتهاد في تأطيرها تبعا للاعتبارات السياسية). لقد وطأت العشائر العربية أرض الرافدين قبل ثلاثة قرون أو قرنين مضت، بينما كان الكورد الفيليون أصحاب أراض وممتلكات في شرق دجلة يسكنونها، ويعملونفوقها قبل ألف عام وأكثر تآمر عليهم الصفويون والعثمانيون على السواء وفق مساومات أدت إلى تجزئة وتقسيم لورستان الغربية، وإذا أعدنا النظر إلى الوراء وإلى العصور التاريخية، فإنَّ سكان العراق لم يكونوا على أصول إثنية واحدة وأصيلة؛ لأن الأحداث التي مرت ببلاد الرافدين لا تؤيد فكرة وجود عراقي خالص؛ لأن المنطقة كانت تعيش أجواء مشحونة بالتوتر والفوضى جراء غزوات القبائل، والأقوام، وفرض انها، وعاداتها، وتقاليدها. يقول الأستاذ هاشم العقابي إن من ينصف شعبا على أرواحنا بأعذب المعزوفات وأجمل الأغاني، وأرق الألحان يكون قد أنصفنا، ومن يظلمهم فقد ظلمنا جميعا. هكذا كان الكورد الفيليون زهرة فواحة عطرة في بستان اسمه العراق، ولتقدمه وتطوره في جميع الصعد قدَّموا الكثير من الضحايا والشهداء. وأخيرا ليتعظ أصحاب العقول ما قاله الملك فيصل الأول حينما قال: ليس هناك أمة واحدة في العراق، إنما هناك كتل بشرية. يتضح من الجهد الذي صرف لإصدار هذا الكتاب أنه يكتمل من خلال تجسيد مواقف المخلصين وآرائهم، وإعادة الحق إلى أصحابها هذه واحدة من الحقائق الأكثر إثارة للذهول التي حدت ببعض المؤرخين والباحثين إلى تبني الموضوعية، والنزعات الإنسانية للحيلولة دون الوقوع في كمين الخطأ، والتفرد، والانعزاليةوالشوفينية المقيتة. أود هنا أن أشير إلى مسألة في غاية الأهمية هي أن أسماء الرجال والأماكن والجبال والأنهار التي جاءت في طيات الكتب المتداولة وبين أوساط الناس؛ فإنني بذلتُ جهدًا قدر المستطاع بعدم تغييرها إلى اللغة العربية، والإبقاء على لغتها الأصلية. ففي أثناء الفتح العربي الإسلامي لأراضي لورستان الكبرى قام العرب بتغيير أسمائها الحقيقية إلى العربية كما حدث لكلمة بهلة / فهلة التي تغيرت إلى الجبل لاحقا. يتضمن الكتاب مجلدين، واثنين وعشرين فصلا أتمنى قد وفقت في عملي هذا، وسعادتي أن يلقى الكتاب قبولا من أبناء كوردستان ولورستان؛ خدمةً للهدف الإنساني الذي ضحى من أجله خيرة شباب الكورد؛ حتى لا يضيع تأريخ مكون عاشطوال حياته في الشقاء، والعذاب، والألم. وكل أملي أن يسهم الكتاب في حث القارئ العزيز على التفكير مليا في ما سيكون عليه مستقبل الكورد الفيليين. أقدم شكري وامتناني إلى الدكتور سكندر أمان اللهي بهاروند على تشجيعه المتواصل لصدور هذا الكتاب، وعلى ملاحظاته القيمة، وأشكر الأستاذ محسن شير محمدي على عناء ما قام به من إصلاحات لغوية، وإخراج الكتاب بحلته الجميلة، ولا يسعني إلا أن أقدم شكري إلى الأصدقاء الذين قدموا لي النصح والإرشاد، وزودوني بالمعلومات المفيدة حول الكورد الفيليين في العراق، ولا سيما في مدينة بغداد، وأقدم شكريإلى ابنتي العزيزة آرزو على ما بذلت من جهود نبيلة لإخراج غلاف الكتاب بشكل يليق بمضمونه.               (( سلام برزوبغداد / تموز / 2021))”.

قد يعجبك ايضا