د. ابراهيم احمد سمو
(مونودراما – من فصل واحد)
(خشبة المسرح شبه مظلمة، ضوء خافت يسلّط علىكرسي خشبي في منتصف الخشبة. يدخل رجل فيمنتصف العمر، يحمل بيده ساعة رملية كبيرة، ينظرإليها بتمعن ثم يخاطب الجمهور وكأنه يخاطب ذاتهالمنهكة)
أنا هنا… في منتصف الطريق، أو ربما في آخره. لاأدري بالضبط أين أقف. كل ما أعرفه أنني أركضمنذ زمنٍ طويل، ألهث، أتعثر، أنهض من جديد…أواصل الركض. سباقٌ لا ينتهي، أو هكذا كنت أظن. لكن الحقيقة؟ (يصمت لحظة) الحقيقة أن للسباقخطّ نهاية.
(يضع الساعة الرملية على الطاولة، ينظر إليها)
انظروا… الحبات تسقط بهدوء، كأنها لا تكترث بي،لا تكترث بكم، لا تكترث بأحد. الزمن لا يعرفالشفقة. كل حبة رملٍ تنزلق هي خطوة أخرى في هذاالمضمار. ومن يظن أن بمقدوره إيقافها، فهو واهم.
(يقف متوترًا، يمشي خطوات متسارعة)
كم هو صعب أن ترى نفسك في مقامٍ رفيع، أن تعتقدأنك واثق بنفسك، ثابتٌ في قراراتك، ثم تكتشف عندالمواجهة أنك هشّ… هشّ أكثر مما كنت تتصور. تسأل نفسك: لماذا لا أستطيع ردّ الصاع صاعين؟لماذا لا أستطيع أن أُسكت من يستهزئ بي، أو أنأرفع صوتي ليهتز الجميع؟! أأفتقد الجرأة؟ أم أننيأخشى السقوط أكثر من خوفي من الهزيمة؟
(يتوقف فجأة، يتنفس بعمق)
لكن… ألا يستحق “العين الكريمة” أن نكرمها؟ ألايستحق من نحب أن نتخذ قرارًا صائبًا، حتى لو كانثمنه هدم جدارٍ بُني بعرقنا؟! آه… القرارات! كم بدتفي طفولتي سهلة، وكم صارت الآن كالأحجار الثقيلةالتي أسحبها في هذا السباق.
(يجلس على الكرسي، يضع يده على جبينه)
كنت على يقين أن خطواتي صحيحة… كنت واثقًاأنني أسير في الطريق المستقيم. غير أن الموالالقديم يطلّ عليّ من بعيد. ذاك الصوت الذييلاحقني منذ زمنٍ بعيد… صوت الماضي. الماضيلا يموت، بل يختبئ في زوايا الذاكرة، ليخرج فجأةويضحك في وجهي: “ظننتَ أنني انتهيت؟ أناهنا… باقٍ ما بقيتَ حيًّا”.
(ينهض ببطء، يواجه الجمهور مباشرة)
ويا لدهشتي، أجد أن الحاضر ليس سوى صورةباهتة من الأمس. الأيام تتشابه، تتكرر، تعيد نفسها. التاريخ أسدل ستاره، نعم، لكن العرض يتواصل علىالخشبة نفسها. الممثلون يتغيرون، النص يتغير قليلًا،أما الموال… فهو نفسه!
(يضحك بمرارة)
قالوا لي: الماضي مات. وأنا صدّقت. لكن كلماالتفتُّ، وجدتُه جالسًا إلى جواري، يبتسم، يمدّ ليكأسًا من الذكرى، فأشرب رغمًا عني. وأعود أركض،أركض، وكأنني لم أتعلم شيئًا.
(يتنفس ببطء، يضع يده على صدره)
ثم يأتي ذاك الإيمان، ذاك الخيط الرفيع الذييُمسكني من الانهيار. يقولون إننا على قائمة أهلالتقوى. تقوى ماذا؟ تقوى أن نتمسك بالمعنى حينيفقد كل شيءٍ معناه. تقوى أن نصمد حين يسقطالجميع. لكنني، رغم ذلك، لست ملاكًا. أنا بشر. أُخطئ. أتعثر. أشك. ثم أعود وأتمسك بذلك الخيط،لعلّه لا ينقطع.
(يتقدم خطوة للأمام)
لكن… (يصمت برهة) العمر يمضي. يمضي كما لوكان في سباقٍ شرس. ونحن جميعًا عداؤون في هذاالمضمار. لا فرق بين ملكٍ ومتسول، بين عالمٍ وأميّ،بين عاشقٍ ومنكسر. الكل يركض. الكل يلهث. والكل… سيصل إلى نقطة النهاية.
(يخفض صوته)
تلك النقطة المخيفة… النهاية. لا عودة منها. لااستئناف. لا فرصة ثانية. مجرد خطّ أخير، تعبرهوحيدًا، فلا أحد يرافقك. كل ما تحمله معك هو حقيبةمليئة بالذكريات والأخطاء وبعض الانتصاراتالصغيرة. نعم، الانتصارات!
(باندفاع مفاجئ)
آه… نشوة الانتصار! كم أحببتها، كم أسكرتني. لحظة الفوز تُنسيك كل العثرات السابقة، كل الجروحالتي خلفتها الأحجار تحت قدميك. ترفع رأسك،تبتسم للجمهور الوهمي الذي يصفق، وتشعر أنكخالد… خالد للحظة فقط! ثم… ثم تتلاشى النشوة،وتكتشف أن الانتصار لم يكن سوى محطة صغيرةفي سباقٍ لا يتوقف.
(يجلس مجددًا، يضع الساعة الرملية على ركبتيه)
أحيانًا أتساءل: أكان يستحق؟ هل يستحق أن نحرقأعمارنا في الركض من أجل انتصارات عابرة، منأجل أن نقول لأنفسنا وللعالم: لقد فزنا؟! وماذا بعدالفوز؟ النهاية تنتظر هناك. النهاية التي لا يعرفأحدٌ ما خلفها.
(ينهض بحذر، ينظر إلى السقف كأنه يناجي الغيب)
ألا يوجد عائدٌ من هناك ليخبرنا؟ ليصف لنا ما يحدثبعد خط النهاية؟ كل الذين عبروا صمتوا. لم يتكلمأحد. لم يرسل أحدٌ رسالة. لم يكتب أحدٌ مذكراته منالضفة الأخرى. كل ما لدينا هو الصمت… صمتكثيف كالجدار.
(يعود يخاطب الجمهور بحدة)
فهل يُعقل أن نركض كل هذا العمر لنصل إلى صمتٍأبدي؟! لا… لا أصدق ذلك. أؤمن أن وراء النهايةسرًّا، معنى، حياةً أخرى ربما. وإلا، لِمَ كل هذاالركض؟ لِمَ كل هذا العناء؟ لِمَ كل هذه الاختباراتالتي تنهش الروح؟
(يمشي متمايلًا، يتوقف فجأة، يضحك بمرارة)
لكن مهلاً… ربما السباق ليس في الفوز أوالخسارة، بل في الكيفية التي نركض بها.
ربما النشوة الحقيقية ليست عند خط النهاية، بل فيكل خطوةٍ نخطوها، في كل سقوطٍ وقيام، في كلدمعةٍ ضحكنا بعدها، وفي كل جرحٍ تركناه يلتئمببطء.
(يقترب من حافة الخشبة، يخاطب الجمهور مباشرة)
أنتم تركضون أيضًا، أليس كذلك؟ نعم، أراها فيعيونكم… تلك اللمعة التي تشبه لمعة التعب، وتلكالابتسامة التي تخفي خوف النهاية. أنتم مثليتمامًا. لا فرق بيننا. كلنا عداؤون، وكلنا راكضون فيالاتجاه ذاته.
(يصمت طويلًا، ثم يرفع الساعة الرملية أمام وجهه)
السباق مستمر… حبة وراء حبة… خطوة وراءخطوة. سيأتي اليوم الذي تسقط فيه آخر حبة. وسأصل أنا وأنتم إلى الخط المرسوم. لن نسألحينها عن المقاعد التي جلسنا عليها، ولا عنالتصفيق الذي سمعناه، ولا عن عدد المرات التيانهزمنا فيها. ما سنسأل عنه فقط: هل كان لركضنامعنى؟ هل كنّا أوفياء للطريق؟؟