د. حسين جبار ابراهيم
بعد وفاة محمد البارزاني في سجن الدولة العثمانية عام 1903، خلفه ابنه الشيخ عبد السلام البارزاني في زعامة عائلة بارزان وقبائلها. وانطلقت حركة الشيخ عبد السلام من قرية بارزان، ذلك الحصن الجبلي الوعر شمال شرق عقرة، حيث نجح في توحيد القبائل المحلية وفرض الأمن والنظام. ولادراكه بأن الجهل سبب رئيس لتخلف شعبه؛ اسس المدارس وحث الأهالي على التعلم.
ومن اجل تعزيز قوته وتثبيت موقفه، أقام تحالفات مع شيوخ قبائل كوردية بارزة مثل محمود الحفيد وعبد القادر النهري، بهدف صد التوسع العثماني في المنطقة. كما تابع عن كثب أنشطة الجمعيات الكوردية في إسطنبول مثل جمعية التعالي والترقي الكوردية التي تأسست عام 1908، ودعم أهدافها المتمثلة في النهوض بالكورد عبر التعليم باللغة الأم وتمثيلهم السياسي.
طالب الشيخ الدولة العثمانية بإصلاحات جذرية في المناطق الكوردية، وتشمل:
جعل اللغة الكردية لغة رسمية في العمادية وزاخو ودهوك وعقرة وسنجار.
تدريس المناهج بالكوردية.
تعيين الكورد في المناصب الإدارية.
إصلاح البنية التحتية وبناء المدارس.
الإبقاء على “البدل النقدي” (ضريبة الاعفاء من الخدمة العسكرية) لتمويل المشاريع المحلية، خصوصا الطرق.
عام 1907، صاغ مع زعماء العشائر “وثيقة دهوك” وقدم مطالبهم لمجلس النواب العثماني، لكن السلطنة رفضتها خشية تحول هذا الرجل الطموح الى بطل قومي ورمز تحرري يوحّد الكرد.
تصاعدت المخاطر مع انقلاب بعض شيوخ القبائل ضد الشيخ عبد السلام، مدفوعين بتهديدات العثمانيين ومخاوفهم من توسع نفوذه وامتداده الى مناطقهم. وبلغ الأمر حد محاولة اغتياله من قبل قبائل موالية للعثمانيين. حاول الشيخ حينها التحالف مع الروس (1909) ثم البريطانيين (بواسطة القنصل إدوارد ويكلي في الموصل)، لكن تفضيل المصالح التي كان يتبعها كل من الروس والبريطانيين أحبطت مساعيه.
وجهت الدولة العثمانية الى الشيخ عبد السلام تهمة التمرد، فأرسل والي الموصل محمد فاضل الداغستاني جيشا لقمع بارزان عام 1910. لكن الشيخ هزمهم بجيشه، الا ان تغير الأوضاع السياسية في إسطنبول (صعود حزب الحرية والائتلاف) أدى إلى عزل الداغستاني وتولية صفوت بيك الذي عقد اتفاقا مع الشيخ (1911) شمل إطلاق سراح سجناء الحركة، وتعويض الخسائر، وانسحاب الجيش العثماني مقابل تسليم المدافع التي استولى عليها جيش الشيخ.
عام 1913 انتهت الهدنة مع عودة “جمعية الاتحاد والترقي” للسلطة. واتهم والي الموصل الجديد “سليمان نظيف” الشيخ عبد السلام بالتواصل مع روسيا، خصوصا بعد ان رفض الشيخ امره إحصاء السكان والمواشي، وهو ما عده الشيخ تمهيدا لفرض التجنيد الإجباري وفرض ضرائب اخرى على مناطقه.
شن العثمانيون هجوما مركزا على بارزان في نيسان 1914، فانسحب الشيخ إلى الحدود الإيرانية ساعيا للحصول على دعم روسي، لكنه فشل في مسعاه، فلجأ إلى البطريرك الآشوري مار شمعون بنيامين، فاستغل الامر شيخ كوردي موال للعثمانيين يدعى (درويش عبد الله) للحصول على جائزة الخيانة، وكانت لهذا الشيخ علاقة طيبة سابقة مع الشيخ عبد السلام، فنجح بخداعه باستضافته في بيته، وقبض عليه وعلى رفاقه اثناء نومهم وسلمهم للعثمانيين.
مثل الشيخ عبد السلام أمام محكمة عسكرية في الموصل بتهمة “العصيان المسلح والسعي للانفصال”، وحكم عليه وعلى ثلاثة من رفاقه بالإعدام. ونُفذ حكم الإعدام شنقا في 14 كانون الأول/ديسمبر 1914. وقبل إعدامه، وبعد ان ارتقى الى حبل المشنقة رفع صوته قائلا: ((ان دمي سيكلفهم غاليا… الحياة والموت سيان عندي)).
وقد انتقلت الزعامة بعده إلى أخيه الشيخ أحمد البارزاني، لتبدأ مرحلة جديدة من النضال الكوردي في خضم الحرب العالمية الأولى.