قرار المحكمة العليا كنقطة تحول

أ.د. محمد الربيعي

العلاقة بين الجامعة والسلطة السياسية يمكن وصفهابعملية تأليف كتاب معقدة. فكلاهما يعمل في نفسالمخطوطة، وأي خطوة خاطئة من احدهما قد تؤدي الىتشويه المحتوى. لكي تكون عملية التأليف هذه مثمرة،يجب ان يفهم كل طرف دوره، فدور السياسي هو توفيرالطابعة والورق (الدعم والتمويل) وفتح دور النشر(الفضاء المجتمعي والحرية الاكاديمية)، بينما دورالاكاديمي هو صياغة الافكار وكتابة الفصول (البحثوالمنهج العلمي) وتحريرها بحرية وابداع. في هذهالحالة، تزدهر المعرفة وتنمو وتصل الى القراء.

لكن عملية التأليف هذه تتحول الى صراع علىالمراجعة عندما تحاول السلطة السياسية املاء الكلماتوالجمل على شريكها. وهنا ياتي دور قرار المحكمةالعليا الذي يمثل نقطة تحول حاسمة.

هذا القرار برفض دستورية منح وزير التعليم العاليصلاحية تعيين مساعدي رؤساء الجامعات وعمداءالكليات والمعاهد هو بمثابة فصل واضح بين الناشروالمؤلف. هو تأكيد على ان دور السياسي ينتهي عندتوفير الدعم، بينما تبدا مهمة الاكاديمي في ادارةمؤسسته بحرية واستقلالية كاملة. هذا القرار لا يمنعالوزير من اداء دوره، بل يحدد صلاحياته ويمنعها منالتدخل في الشؤون الاكاديمية الداخلية للجامعات.

بموجب هذا الحكم، تستعيد الجامعة هويتها الحقيقيةكمنارة للفكر والابداع، وتتحرر من ان تكون مجرد ظلللسلطة. ان استقلال الجامعة عن التأثيرات السياسيةالمباشرة يضمن ان تكون القرارات الاكاديمية مبنيةعلى الكفاءة والجدارة، وليس على الولاءات السياسية. وهذا هو جوهر تقدم اي مجتمع، لان الجامعة المستقلةهي التي تنتج المعرفة الحقيقية، وتعزز البحث العلمي،وتخرج قادة المستقبل الذين يحملون شعلة التغيير.

قد يعجبك ايضا