اعداد: عدنان رحمن
في العام 2021 صدر الجزء الاول بطبعته الاولى من الاجزاء التي كانت اربعة للمجموعة والتي كانت بعنوان (( الاستاذ عبد الهادي الخليلي- رحلتي في الطب والحياة ( سيرة حياة وذكريات طبيب من وادي الرافدين) )) ببغداد عن المكتبة العصرية وطُبِعَ في مطبعة الكتاب. من العنوان الرئيس نستطيع ان نستدل على العناوين الفرعية وكان منها هذه العناوين الفرعية التي اختصّت بمدينة خانقين:
– ” ( ضابط طبيب احتياط في خانقين): بعد التخرّج من كلية الضباط الاحتياط تقلدنا رتبة ملازم ثانٍ.. ثم تم تعييني في وحدة الميدان الطبية 21 ومقرها مدينة جلولاء. ومن هناك نُسبت الى مقر كتيبة المدفعية 22 التي مقرها في مصفى الوند قرب مدينة خانقين وكنت خلَفاً للدكتور زهير صبري الذي كان طبيب الكتيبة، اصبح الدكتور زهير اختصاصي الجراحة التجميلية فيما بعد. كان آمر الكتيبة العقيد علي حمدون كشمولة وهو من العائلة المعروفة الكريمة آل كشمولة من الموصل. لم تكن في ذلك الوقت حركات عسكرية أو أي قتال مع القوات الكوردية، بل كان الجو السياسي هادئاً. ترك العديد من ضباط الكتيبة أثراً عميقاً في نفسي منهم الرائد الركن نوري رضا المراياتي الفارع الطول الرياضي البُنية وعضو فريض الجيش في الكرة الطائرة. كان نبيل الخلق لطيف المعشر يحّب النكتة والمقالب!. كذلك كان هناك الملازم الاول صاحب العزاوي في صنف الهندسة وهو خبير متميز في هندسة السيارات والمدافع والدبابات.توثقت علاقتي بصاحب عن طريق اخيه الدكتور عزيز العزاوي الطبيب الاختصاصي بالتخدير خريج الاتحاد السوفييتي الذي كان معي في كلية الاحتياط واخيه الآخر مهدي العزاوي النجار الفنان والشاعر الذي كان محل نجارته في ساحة النصر ( نجارة مهدي). أحبّ النجار مهدي الشِعر ويحفظ كثيراً منه وينظمه كذلك. كنت اقضي معه ساعات طويلة في محلّهُ عند توفر الوقت، له من القفشات الشعرية ما تعلّق في ذاكرتي:
لماذا أنت تضحك من أفوتُ أعفريتٌ أنا أم عنكبوتُ!
ومن الضباط الآخرين الموجودين في الكتيبة كان الملازم الأوّل قيس السوداني رقيق الطبع حلو الابتسامة هادىء الطبع. والآخر الملازم الأول اسامة الياور الذي كان مثالاً للضبط العسكري والخلق الرفيع. اما الآمر فكان العقيد علي كشمولة.

( زيارات ميدانية): كنا نتفقد المواقع العسكرية القريبة منا التابعة للكتيبة، فقد ذهبنا مرّة الى قرية ( قوره تو) وبتنا ليلتنا هناك في غرفة مبنية من الطين وليس فيها كهرباء. كان معي اثنان من الضباط وعندما اقترحت ان نطفىء الفانوس لأني افضّل النوم في الظلام الدامس في الغرفة قبلوا باقتراحي وما اثار استغرابي هو ان احدهم انتفض في منتصف الليل صارخاً اريد الضياء.. ضحكنا واعدنا اضاءة الفانوس!.
( خيمتي): كان مقر عيادتي الطبية في المعسكر خيمة كباقي مكاتب الضباط الآخرين. وفي الخيمة سرير لنومي وكرسي ومنضدة عليها ادوات الفحص الطبي. في تلك الايام كانت شركات الادوية توزّع نماذج من الادوية للاطباء مجاناً وكان منها حبوب الفيتامينات الفوّارة الكبيرة الحجم.
( البلهارزيا): لم اقتنع بما كنت اقوم به من واجبات طبية روتينية فعملت على التوسّع في اختصاصي، حيث اكتشفت بان هنالك اصابات عديدة بمرض البلهارزيا بين الجنود. وعند احدى زياراتي الى بغداد زرت صديقا لي من اصحاب المختبرات واتسعرت منه مجهرا قديما وجهاز ( سنتر فيوج- الطارد المركزي) الذي يعمل يدويا ومعهما بعض الدوارق المختبرية الزجاجية، ثم بدأت بفحص بعض الجنود، فتبيّن ان هنالك العديد منهم مصاب بالبلهارزيا الغير مكتشفة، فقمت بتقديم العلاجات لهم.
( المكتبة العامة في خانقين): من الانشطة المهمة التي كان لها تأثير كبير عليَّ حينها هو إلتزامي بالذهاب الى مكتبة المدينة والتعرّف عن قرب على مدير المكتبة وهو من اهل المدينة الذي يؤسفني جدا عدم تذكر اسمه. ( 2) كان انساناً نبيلاً مثقفاً حريصاً على مكتبته وعلى راحة روادها. سمح لي بحكم علاقتي الوثيقة به ان اطلّع على سجل كُتب المكتبة التي اخترت من عناوينها ما يُقارب الثلثمئة كتاب. وفيها تطوّع ان يشتريها لي بما لديه من تسهيلات وتخفيضات بالاسعار التي يحصل عليها من المكتبات التي تبيع الكتب ببغداد بوصفه موظفاً حكومياً رسمياً مختصاً بشؤون المكتبات، حيث كان الخصم على اسعار الكتب التي يقتنيها هي 30 %. فاصبحت تلك الكتب هي نواة مكتبتي الشخصية التي بلغت ففيما بعد قرابة الخمسة آلاف كتاب.
( الاستاذ عيسى زلزلة): كان مقر الكتيبة 22 يقع بالقرب من مصفى الوند الذي كان يديره السيد عيسى زلزلة، وكنا نلتقي به في مقره في المصفى. كان معتدل القامة مائلا الى الطول جدِّيٌ في حديثه وذو خبرة عالية في اختصاصه.
( قصر الملك فيصل الاول): مدينة خانقين من المدن الجميلة التي يخترقها نهر الوند وتتجمّل بأهلها الطيبين. ولطيب هوائها وصفات أهلها اختار الدكتور البريطاني سندرسن ان يكون للملك فيصل قصراً على مقربة منها التي كانت على مسافة 4 كم نحو الشمال في قرية جميلة المنظر وطيبة الهواء يقال لها قرية ( علياوه) والتي تقع على قمة ( تل كوچـگ) التي تطل على غابات ( أسعد آغا) وتحيط بها اراضٍ خصبة. لكن الآن لم يبقَ من القصر المنيف سوى أطلالها.
( مدينة خانقين وأهلها): من المعروف ان هذه المدينة من المدن التاريخية التي يمتد عُمرُها الى آلاف السنين يسكنها الكورد والتركمان والعرب، ومن سماتها الاساسية التآخي بينهم الذي كان ظاهراً بين الجميع. لم يتجاوز عدد السكان فيها- حسب تقديره في العام الذي كان هو فيها- 20 ألف نسمة تقريباً. وقد كوّنتُ علاقة شخصية مع عددا من اهل المدينة من الذوات منهم السيد محمد شبر امامجامع خانقين وآل باجلان وآل الأركوازي وآل الجاف. حيث توطدت علاقتي لعقود بعدها مع الاستاذ المحامي عبد الوهاب باجلان، الذي كان رجل ثقافة ومجتمع، واخيه عمر سيد العشيرة المُهاب من الجميع وصهرهم السيد رؤوف.
( حفلة عرس): اقامت عائلة باجلان لاحد افراد عشيرتهم حفل زفاف في منطقة قرية ( مجيد قادر آغا)، وهناك كانت الافراح والرقص والطعام التي امتدت لمدة سبعة ايام ليلاً ونهاراً!. دُعينا للحفل وكانت فرصة للتمتع بذاك التراث والتفوق الاجتماعي علينا في مناطقنا في الوسط والجنوب، حيث كان للمرأة هناك الدَور الكامل في الاشتراك في الأفراح والرقص العشائري المُحتشم.
( الطائفة الكاكائية): كُنا على علاقة بالسيد طاهر عُزَير شيخ الطائفة الكاكائية في تلك المنطقة. تميز السيد طاهر وطائفته بالطيبة ومحبة الجميع، وهم معروفون بعدم حلاقة الشوارب فتنمو كثيفة او مفتولة ذات نهايتين مُدَبَبتين. ولما سألت احدهم مرّة عن ذلك قال لي: ( ان ذلك تبركاً بالامام علي ( ع). فعندما أتّم الامام غُسل جسد النبي محمد ( ص) وبعد وفاته بقيت هناك قطرات قليلة من الماء في منطقة سُرَّة البطن الكريمة، فبلَّل الامام اصبعه بها ومسح شواربه ولم يقص شَعر شواربه بعد ذلك ابداً. وليس لي أن أجادله في تلك المعلومة التاريخية التي لديه ايمان كامل بها، علما بان الديانة التي تدين بها الطائفة تمتد الى خمسة آلاف عام كما تذكر ادبياتهم.
( مستشفى خانقين): كنت كثير الزيارة الى المستشفى المدني في خانقين حيث كان هناك طبيب المدينة الدكتور فاروق المصور وهو من النجف، وكان يسبقني في الدراسة في الكلية بثلاث سنوات، وكانت علاقتي معه وبصديقه وزميله سحبان الخفاجي وثيقة من ايام الدراسة ومن ايام النجف. يدير المستشفى زميل آخر يسبقنا نحن الاثنين في الدراسة ولا يحضرني اسمه، (3) اما الصيدلاني فكان علاء الدين الانصاري شقيق حسام الدين من مؤسسي الفرقة السيمفونية العراقية حينئذٍ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- “” مِنْ موضوع بعنوان ( الدكتور عبد الهادي الخليلي والسيد بدر عبد الحسن): اطلعت على مقال ظهرعلى موقع كتابات بعنوان “شخص إيراني يشغل منصب الملحق الثقافي في السفارة العراقية بواشنطن” بأسم “بدر عبد الحسن”، شعرت بشئ أكثر من الدهشة والأستنكار والغضب والأشمئزاز، شعرت ان هذا تجاوز كل الخطوط الحمراء والخضراء والبنفسجية حتى، ولايمكن السكوت عنه .ثم يمضي الكاتب الى هدفه فيقول .. “وكمثال على سلوك الغنائم للعصابات والأحزاب تم تعيين المدعو هادي الخليلي ملحقاً ثقافياً في السفارة العراقية بواشنطن وكلنا يعرف أن عائلة الخليلي هي عائلة إيرانية قح وقد سبق أن سفروا من العراق الى إيران”. هكذا أسقط الدكتور عبد الهادي الخليلي بأن ألصق به صفة إيراني وحجته الدامغة هي العمل الأجرامي المشين الذي قام به صدام وزبانيته في تهجير بعض العراقيين الى إيران بتهمة “التبعية”، و لكن لابد لي ان اسأل و باسم كل من هجر على يد صدام حسين هل كان هؤلاء المهجرون إيرانيون فإن كانوا كذلك فماذا كانوا يفعلون في العراق تاركين بلدهم ؟ أم انهم كانوا عراقيين حاول اجدادهم الخلاص من ظلم الدولة العثمانية والتي كانت تريد تجنيد ابناءهم الزاميا؟ ترى هل يجعل هذا المنطق كل العراقيين اللذين منحتهم الدولة العثمانية جنسيتها اتراكا؟ لقد كانت مأساة تهجير العوائل العراقية وتشريدهم على الحدود مما ادى الى موت الكثير منهم ومن ابنائهم ونساءهم في حقول الالغام أو جوعا او عطشا أو فرائس للحيوانات الوحشية وصمة في جبين النظام الصدامي وكل من أيده في ذلك””. للمزيد: سمير شاكر الصميدعي- سفير العراق في الولايات المتحدة- واشنطن في 21 كانون الأول 2006. المصدر: كتابات، 23/12/2006. منشور في الموقع الالكتروني لــ ( الاتحاد الديمقراطي الكوردي الفيلي).
2- امين المكتبة في حينها ابراهيم
3-