صالح الشحري
سانحة أمين زكي، وهي أول طبيبة مسلمة تلتحق بكلية طب بغداد عند إنشائها في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وقد قامت بكتابة هذه السيرة بعد أن بلغت الثمانين، وهي تسرد بمهارة تفاصيل التفاصيل، الثمانمائة صفحة التي استغرقتها مذكراتها في غاية السلاسة والجاذبية، تنتهي مذكراتها عند ثورة عام 1958م التي كانت فاتحة للدكتاتورية والقمع، الكتاب يطغى عليه الحنين إلى عصر نشوء دولة العراق المستقلة وآمالها الواعدة.
ولدت الدكتورة سانحة عام 1920 لأسرة من أُسر النخبة في العراق اجتمعت فيها الجذور العربية والكوردية والتركمانية، معظم أبنائها درسوا في كليات اسطنبول قبل إعلان الدولة ثم تحولوا للدراسة في الجامعة الأمريكية في بيروت، وفي جامعات انجلترا وامريكا. ومن الواضح أن اتجاه الدولة والنخب كان نحو العلمانية، ولذا فإننا نرى تحول النساء من الحجاب الى السفور ببساطة شديدة، دعت هدى شعراوي إلى مؤتمر للنساء العربيات في مصر، تم إرسال الدعوة إلى الحكومة، فقامت بتشكيل وفد من نساء العراق فيهن سانحة، ومن الطريف أن المجتمعات قررن الطلب الى مجمع اللغة العربية إلغاء نون النسوة!
عبر المذكرات لا تجد أي أثر للبعد الطائفي عند أهل العراق، فإنك لا تعرف عبر هذه المذكرات إن كانت الكاتبة من الشيعة أم من السنة، رغم قولها إنها حضرت مرة ليالي عاشوراء مع إحدى قريباتها، كما أن الشعب العراقي قبل بسهولة أن يحكمه ملوك قدموا من الحجاز فضلتهم بريطانيا على زعماء من عشائر العراق، وعندما تذكر أصدقاءها من الكورد فإنك تجد مقامهم في وظائف الدولة والحياة الاجتماعية والاقتصادية موفورا.
أُنشئت كلية طب بغداد بفضل اثنين هما: الملك فيصل الأول، وطبيبه الإنجليزي، لم يكن حولهما مؤيدون، ضمت الدفعة الثانية أربع فتيات من يهوديات العراق مع الدكتورة سانحة. معظمهن ابتعثن إلى انجلترا للدراسة كما حصل مع سانحة، تقول: إن شعورها نحو الإنجليز كان غريبا، فهي تكرههم كونهم مستعمرين، لكنهم أقاموا كليات لتعليم العراقيين، ودربوهم تدريبا راقيا، وشارك أطباء الجيش البريطاني في تدريب طلبة الطب وغيرهم، كما اهتموا بالآثار والمتاحف والحدائق، وكانت للجيش الإنجليزي في العراق فرق موسيقية تعزف في المناسبات المختلفة، كما كان للجيش فرق مسرحية تعرض مسرحياتها للجمهور، وأقاموا أندية راقية كان العراقيون يرتادونها فيستمتعون بـ رقي الحياة الانجليزية، إضافة إلى ما تركوه من معمار أنيق وصناعة نفط وسكة حديدية، تقول: إنه كانت لها افكار يسارية، حاورت فيها إرنست بيفن الزعيم البريطاني، الذي قال لها: إن الانجليز اكتشفوا نفط العراق واستخرجوه و كانوا يعطون ثمنه لتنفق العراق على مشاريعها وموظفيها، فلماذا تكرهين الإنجليز؟
يمكن من خلال المذكرات ملاحظة ما دخل الطب من تطورات، فعندما تخرجت كانت مضادات الحيوية في بداياتها، و أول مرة استعمل البنسلين في العراق عندما طلبه مديرهم الإنجليزي من الجيش لمعالجة أحد أبناء الوزراء، تندر الاطباء عليه لأن هذا العلاج لم يكن متوفرا للناس، أما عندما أصيبت بالسل الرئوي، فقد ذهبت لتقيم في أحد الفنادق الجبلية في سويسرا، فندق مخصص للمرضى، ولمن يريد أن يزورهم، فقط، الرعاية الطبية كانت تتضمن ألا تفارق الفراش ثلاثة أشهر، ثم تعود بالتدريج للحركة خلال ثلاثة أشهر أخرى، وخلال تلك الفترة كان محرما عليها أن ترى أطفالها حتى لا تنتقل العدوى اليهم، اليوم يتكفل التطعيم بحماية الناس، والعلاج لا يقتضي الانعزال عن المجتمع. طفلها الأول كان لديه عيب خلقي أجريت له عملية في بريطانيا، لم تنجح فمات، أصبحت نسبة نجاح هذه العمليات عالية في كل أقطار الدنيا.
في جعبتها الكثير من الأحاديث عن السياسة وعن الرحلات وتاريخ البلدان التي زارتها، تحولت بريطانيا من الكاثوليكية إلى البروتستانتية، لأن البابا رفض التصريح بطلاق الملك، فأمر الملك باعتناق البروتستانتية الانجليكانية وطلق وتزوج مرارا بعد ذلك، أما الملك ادوارد فإنه كان يريد أن يتزوج من مطلقة أمريكية، لا يسمح القانون الملكي بأن تطأ البلاط أقدام امرأة مطلقة، انقسم الشعب الإنجليزي، ثم أبلغه رئيس الوزراء بعدم استطاعته الزواج بالمطلقة والاحتفاظ بالملك، ودع الملك الشعب قائلا: إنه لا يستطيع أن يقوم بدوره في خدمة شعبه بعيدا عن المرأة التي أحبها. كانت أزياء النساء تجعل اللبس ينتهي فوق الركبة، كريستيان ديور عمل زيا يصل الى الكاحل، دارت نقاشات كثيرة في البرلمان البريطاني تطلب عدم السماح بذلك، لصعوبة توفير أقمشة تكفي في أجواء ما بعد الحرب العالمية.
كانت سانحة أول عراقية تسافر وحدها إلى سويسرا وفرنسا، جالت في كافة المعالم الرئيسية، تمتعت بجمال الطبيعة ورقي الخدمات، تقول: إن العراق كان في طريقه للحاق بأوروبا، لكنها رأت أن الثورات العسكرية أضعفت العالم العربي، زارت مصر وبهرها رقي القاهرة وغناها، كانت تعرف أن هناك فقرا وتخلفا خارج القاهرة ولكن ما حدث في عصر الثورة أن الفقر والتخلف زحف على القاهرة، ولكن رقي القاهرة لم يتوسع ليشمل الريف.
عندما عادت الى بغداد لاحظت أن بغداد تحفل بالأمريكان، النادي الذي كان يجمعها بالنخبة العراقية والانجليزية أصبح يهيئ لها الالتقاء بهم، كان الأمريكان يقدمون منحا كثيرة لأبناء العالم الثالث ومنهم العراقيون، ذهبت في إحدى هذه المنح الى أمريكا عملت خلال أربعة أشهر في أربعة مستشفيات كل منها في ركن من أركان أمريكا الشاسعة، المستشفى الذي عملت فيه أولا كان خاصا بالزنوج، ليس فيه أبيض أبدا لا مريض ولا طبيب، تقول: إن الشعب الأمريكي لطيف ألوف، محب للحياة، يعتاد بسرعة على الغرباء، كريم يقدم لهم الخدمات، أدهشها أن الخادمات الزنجيات يذهبن إلى البيوت التي يعملن فيها ممتطيات سياراتهن الخاصة. وأدهشها أكثر جنود أمريكان ذاهبون إلى الحرب الكورية وهم يغنون ويرقصون.
تمنت أن تستفيد العراق من التقدم الأمريكي، بعد عودتها تعرفت في إحدى زياراتها السياحية للبنان على عدد من الأمريكان، عرفها عليهم احد المستعربين ممن عملوا في العراق وأحبوا الشرق، أحدهم اسمه مايلز ، قال: إنه صديق لحسني الزعيم ولشاه إيران وللملك فاروق ولعبد الناصر، بعد ذلك اكتشفت أن هذا الرجل هو مايلز كوبلاند ، الرجل الذي أعاد شاه ايران إلى عرشه بعد ثورة مصدق، وهو الذي بدأ الانقلابات العسكرية في سوريا، كما عزل ملكا قويا (تقصد فاروق) ليستولي على الحكم بكباشي غير معروف هو عبد الناصر، إعلام عبد الناصر زعزع استقلال العراق، أصبح كثير من العراقيين لا يرون في إنجازات حكومتهم إلا الفساد، كان إ علام عبد الناصر يقول: إنه يقيم السد العالي فيصفق العراقيون، رغم انه في نفس الفترة أقامت حكومة العراق أربعة سدود على دجلة والفرات، لم يكترث لها العراقيون، إبان العدوان الثلاثي يذكر الناس عبد الناصر ولا يذكرون أن ايزنهاور وخرشوف هما من أجبرا فرنسا وبريطانيا على الانسحاب، تتابع: لم تنسحب اسرائيل إلا بعد أن أقامت ميناء إيلات على خليج العقبة، وضمنت حرية الملاحة فيه بعد أن كانت محرمة عليها، إعلام عبد الناصر لا يتحدث الا بالشتائم عن حكام العراق، تقول لم يقصر العراق في البحث عن الوحدة العربية. رغم حلف بغداد، حاول الاتحاد مع سوريا قبل اتحادها بمصر، وأتم الاتحاد مع الأردن، لكن بزوغ الناصرية أعشى عيون العراقيين، كانت كلمة ثورة عندها تعني فقط إعطاء فرصة للمفكرين أن يشاركوا في التخطيط لبلادهم، في زيارتها لباريس تعرفت على تاريخ الثورة الفرنسية، علقت: لا يحتاج العراق إلى مثلها بما كان فيها من مذابح، بعض الإصلاحات كان كافية.
بعض المعلومات التي أوردتها تستحق وقفة تاريخية، تقول: إنه حصلت إعدامات قليلة ايام إعلان معاهدة بورتسموث بين العراق وبريطانيا، وقد اُعتقل اخوها الوحيد بسبب معارضته، المعاهدة كما تقول تقضى برحيل القوات البريطانية وتسليم إدارة الموارد العراقية للعراقيين قبل الموعد المتفق عليه مسبقا، ثار الناس لأن المعاهدة تعطي للجيش الإنجليزي تسهيلات في حالة حاجته إليها، وثاروا لأنهم فهموا أن الجيش العراقي سيحارب خارج أرضه، عن النقطة الأخيرة تقول: إن البريطانيين طلبوا أن يتوجه الجيش العراقي إلى فلسطين ليحل محل القوات البريطانية التي ستنسحب، تتابع: إن الصهاينة أشعلوا المعارضة للمعاهدة في الصحف البريطانية لأنهم لا يريدون جيشا عراقيا يمنعهم من تحقيق حلمهم في فلسطين، بالطبع أسقط المتظاهرون في بغداد المعاهدة.
من ذكرياتها أنها كانت وزوجها يزوران أحد سياسيي العراق في بريطانيا فالتقوا عنده برجل جاء يستدين خمس جنيهات، تعرفوا عندها على عبد الكريم قاسم، بعدما قامت الثورة حضر قاسم حفلا لكلية الطب، احتفى بها وذكرها بلقائهما في لندن، وبعض آرائها اليسارية آنذاك، والتي كانت تدور حول محاربة الفقر، ثم شرح ما ينوي عمله، تعلق بأن ما قاله لا يتجاوز ما يمكن أن يقوله طالب في المرحلة الثانوية، فكيف سيحكم العراق؟
تعليقها الأخير كان أن مذبحة قصر الرحاب التي ارتكبها العسكريون كانت كربلاء جديدة. أوه، كم حدث بعدها في العراق الحبيب من كربلاءات.
