بين النخيل

نعمة المهدي 

الأقدار مثل السواقي القديمة، تجري ببطء لكنها تغيّر مجرى البيوت والقلوب. وكلمة صغيرة في الزقاق قادرة أن تشعل الفتنة أو تفتح باب النصيب. وبين النخيل، يكبر الحب مثل الماء الخفيّ تحت التراب، يحتاج فقط إلى لحظة صدق كي يظهر، وإلى شجاعة كي يبقى.  في البصرة، في منطقة أبو الخصيب، كان بيت صغير يتوسّطه فناء فيه نخلة وساقية ضيقة. كل صباح تسقي زهراء النخلة وتغسل جرّة الماء، بينما يمرّ محمود، الفلاح الشاب، يحمل منجله ويخفض بصره، فيحيّي والدتها.  وذات يوم تعطلت الساقية، فنادى والدها المتعب: – “ابني محمود، تعال ساعدني بهالساقية.” ضرب محمود بالفأس حتى جرى الماء من جديد، وهناك التقت عيونهما لأول مرة بلا خوف.  ليلاً، جلست زهراء مع أمها على السطح: – “يمّه… قلبي يرتاح من أشوفه.” ربّتت الأم على كتفها وقالت: – “البنية إذا حبت صدگ، ما يخطا كلبها. بس يا حبيبة أمچ، ابن عمچ سلمان يريدچ إله.”  لم يمض وقت طويل حتى دخل سلمان على البيت، عريض المنكبين وصوته قاسٍ: – “عمي، من سنين وأنا طالب خطية. زهراء إلي، وما أرضى أحد يسبقني.” ارتبك الأب، فردّت الأم بحزم: – “يمّه، البنية ما بعد اختارت. لا تستعجل النصيب.”  لكن السوق ما رحم. أشاع جاسم بين الناس: – “زهراء ما تسقي إلا إذا مرّ محمود.” عاد الأب متجهّمًا، والهم يثقل صدره. فقالت الأم: – “لا تصدّگ سوالف الجيران. بنتك عزيزة ونزيهة.” وبكت زهراء وهي تقول: – “يمّه، إذا أخذوني من محمود، أنشف مثل نخلة بلا ماي.”  في الفجر، طرق محمود الباب وقال للأب: – “عمي، ما عندي ذهب ولا بيت، بس عندي أرضي وعرگي. إذا راضي، جاي أخطب زهراء.” سكت الأب، ونظرت الأم إليه قائلة: – “الولد طيب، وأهل الحي يشهدون له.”  لكن سلمان اقتحم المجلس غاضبًا: – “لا والله! إذا راحت لغيري، ما يصفى بينه دم!”  اجتمع الرجال في ديوان الشيخ عبّاس. سأل الشيخ جاسم عن إشاعته، فتلجلج واعترف: – “غلطت… ما شفت شي بعيني.” ضحك الحضور، فقال الشيخ: – “الشهادة اللي تتبدل مو شهادة.”  من خلف الستارة ارتفع صوت الأم، ثابتًا وحزينًا: – “أنا أشهد إن بنتي قلبها مع محمود، وحبها له شريف.”  تنهد الأب، وقال بصوت متردد: – “إذا هذا اختيارها، فأني راضي.”  لكن سلمان لم يهدأ. وقف في منتصف الديوان، عيونه تقدح نارًا: – “أنتو تحسبوها انتهت؟ لا… ما يصفى بينه دم.” ورمى عقاله على الأرض علامة تحدٍ، ثم خرج غاضبًا والرجال يتابعونه بعيون قلق.  عاد محمود في الفجر ليسقي الساقية، يداه ترتجفان وهو يناول زهراء الدلو. ارتسم على وجهها ابتسامة قصيرة، سرعان ما انطفأت حين رأت من بعيد ظل سلمان يراقب من خلف النخيل.  همس محمود: – “لا تخافين… الأرض إليّ، والنخلة إلنا.” لكن قلب زهراء ارتجف، فقد أدركت أن الحب لا يكفي وحده لمواجهة غيرة الدم ومرارة النفوس.  وفي الصباح الذي تلا، ظلّت الساقية تجري، لكن أحدًا لم يدرِ هل ستبقى زهراء مع محمود، أم أن تهديد سلمان سيحوّل النخيل إلى شاهد على مأساة أخرى لم تكتب بعد.

قد يعجبك ايضا