صراع التوازن: الفردية والجماعية… أين يلتقيان؟

محمد الكعبي

إن تحقيق هذا التوازن ليس باليسير، فهو يتطلبوعيًا عميقًا بذاتنا وباحتياجات مجتمعنا، كمايستدعي شجاعة أخلاقية لمواجهة نوازع الأنانية منجهة، ورفض الذوبان الكلي في الجماعة من جهةأخرى. إن القادة والمصلحين الذين ذُكروا في المقالهم خير دليل على أن العزلة

صورة الانسان تتجلى في محوريته في الوجود بينان يعيش الانسان الفردية بكل ما تحمل، وبين انيعيش مع مجتمعه ويشارك الاخرين، فالانسانإنسان بشكله الفردي وتعاطيه الجماعي، حيثالفردية تتجلى بحبه لذاته واظهار تمايزه عن غيرهوتعنونه بعناوين يحتاجها في مسيرته الفرديةليرضي غروره ويلبي طموحاته وسعيه الحثيثلتحقيق كل المكتسبات وتطوير المنجزات وتمكين ذاتهمن الاستحواذ على كل شيء، عندها لا يكون همهالا تحقيق الانا باعلى مراتبها واجلى صورها.

وفي الطرف الاخر نجد من يعيش الجماعية من خلالالاسرة، كالزوجة والاولاد، وكذلك الاصدقاء وشركائهفي الحياة، فهنا تبرز العقلانية والقدرة على تحقيقالمطلبين بين الفردية وما تحمل وبين الجماعية بكلمعطياتها، فهل يستطيع ان يذوب في الجماعة؟ أميكون مستقلا؟ أو يعيش التردد والتذبذب؟ أم يحاولويصارع ان يكون وسطيا، ويتمكن من تحقيق رغباتالنفس ورغبات المجتمع؟ هل يمكنه ان يكون فرداويسعى إلى تحقيق ذاته وان يكون جزء من مجتمعيساهم في بناء حضاري؟ هل يملك القدرة علىالتفكير ثم العمل وفق منظومة معرفية رصينة تضمنحقوقه وحقوق مجتمعه؟ انه الصراع في عالم الوجودبين الانا والانخراط مع الاخر.

وظائف الانسان متعددة قد ترتبط به كفرد تارة، وتارةاخرى مع المجتمع، والذي هو جزء مهم واساسيفيه. انها قناة تحتاج إلى بذل الجهد وفيها العناء، انالفردية كما هي مذمومة، فكذلك هي ممدوحة، ولكنلكل مرحلة ظروفها وحيثياتها، عندما يعجز الانسانعن ايجاد شركاء له، يتوجه إلى العزلة بكل ما فيهامن الم وحسرات، يعيش القيود والانكسار، ويستشعرالغربة وان كان في وسط الملايين من الناس.

ومثل هكذا انسان يحتاج إلى الشجاعة والقوةوالصلابة في مواجهة التحديات بكل ما يملك، لكي لايسقط في امتحان الحياة، فالكثير من القادةوالمصلحين لم يجدوا لهم شركاء، فعاشوا العزلة، لكنالعزلة بجانبها الايجابي، فكانوا مثال للتعامل وفقمفهوم المدارات والصبر والعمل الحثيث، ولميستسلموا او يضعفوا، بخلاف غيرهم الذي سقطفي اول اختبار، وعاش الكآبة والبؤس والتشردوالضياع، وقد ينهي وجوده.

وفي المقابل من يعيش مع شركائه ويتعاطون معه،وهو كذلك يواجه المشكلات معهم ويساهم في حلهاوتجاوزها، بل يمكنهم ان يؤسسوا لبناء امة متراصةومتكاتفة، لذا لا بد من تحقيق القدر المتيقن منالوسطية بين هذا وذاك، وهو امر قد يكون صعبا،ولكنه ممكنا، وان خلافة الانسان تتطلب ان يكوناجتماعيا يعيش مع الاخر، ويسعى لذلك قدرالامكان. ان هذا في زماننا اليوم صعب وعسير، واللهالمستعان.

إن الصراع الأزلي بين الفردية والجماعية الذييشهده الإنسان في كل عصر ومصر، يزداد تعقيدًافي زمننا الراهن الذي تتسارع فيه وتيرة التغيراتوتتداخل فيه المصالح. فبينما تدفعنا طبيعتنا البشريةلتحقيق ذواتنا وتطلعاتنا الشخصية، فإن غريزةالانتماء والتعاون مع الآخرين تظل محركًا أساسيًالبقائنا وتطورنا. إن التحدي الحقيقي يكمن فيإيجاد تلك النقطة المحورية، ذلك التوازن الخلاق الذييسمح للفرد بالازدهار ضمن نسيج المجتمع، وأنيكون مساهمًا فعالًا في بناء الحضارة الإنسانية.

إن تحقيق هذا التوازن ليس باليسير، فهو يتطلبوعيًا عميقًا بذاتنا وباحتياجات مجتمعنا، كمايستدعي شجاعة أخلاقية لمواجهة نوازع الأنانية منجهة، ورفض الذوبان الكلي في الجماعة من جهةأخرى. إن القادة والمصلحين الذين ذُكروا في المقالهم خير دليل على أن العزلة، وإن كانت مؤلمة فيظاهرها، قد تكون محطة لتكوين الذات وتجليالعبقرية، شريطة أن تُوجّه نحو خدمة الهدفالأسمى، لا الانكفاء الذاتي.

وعلى الجانب الآخر، فإن القدرة على التعاونوالتكاتف هي المحرك الأساسي لأي تقدم مجتمعيحقيقي. فالأمم لا تنهض إلا بتضافر جهود أفرادها،وتضحية كل منهم بجزء منالأنافي سبيلالنحن“. لذا، فإن مسعى الإنسان المعاصر نحوبناء مجتمعات متراصة ومتكافلة يتطلب منا جميعًاإعمال العقل، والتفكير في منظومة متكاملة تضمنحقوق الفرد وتحافظ على كيان الجماعة. إنها دعوةللتأمل في جوهر إنسانيتنا، والبحث عن تلك الوصفةالسحرية التي تمكننا من أن نكون أفرادًا فريدينومميزين، وفي ذات الوقت، جزءًا لا يتجزأ من كيانأكبر وأكثر شمولية. إن المستقبل يتوقف على مدىقدرتنا على تحقيق هذا التوازن، وتجاوز ثنائيةالأناوالآخرنحو مفهوم أشمل يضمن ازدهار الجميع.

قد يعجبك ايضا