متابعة ـ التآخي
مع بداية الصراع الروسي الأوكراني عام 2022، سعى الاتحاد الأوروبي لتقليل اعتماده على النفط الروسي، ولم يتمكن من خفض الاستهلاك، فزاد واردات إيطاليا من النفط العراقي بنسبة 15% بين 2021 و2023، مما زاد الضغط على البيئة المحلية.
في تموز 2016، أُدرجت أهوار الحويزة ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، بعد انضمامها في 2007 إلى اتفاقية رامسار الدولية لحماية الأراضي الرطبة، التي تشمل بحيرات وأنهارا ومستنقعات وشعبا مرجانية وغيرها. تعتبر الأهوار من أكبر المسطحات المائية الداخلية في العالم في بيئة جافة وشديدة الحرارة.
في 24 حزيران 2025، أعلنت وزارة النفط العراقية تصدير أكثر من 102 مليون برميل نفط بإيرادات تجاوزت 6 مليارات دولار، مع زيادة الإنتاج من وسط وجنوب العراق. لكن ارتفاع الإنتاج النفطي زاد الطلب على الماء، وأدى إلى تلوث النظام البيئي الهش بالغازات السامة.
وبرغم إصدار قانون حماية البيئة في 2009، فإنه لم يدخل في التنفيذ والرقابة، مما يترك الأهوار معرضة لانتهاكات شركات النفط.
يشعر سكان الأهوار، بمن فيهم احد سكانها الناشط “مصطفى” وعائلته، بتهديد مباشر على رزقهم الذي يعتمد على الصيد وتربية الجاموس، وهي مهنة توارثوها عبر أجيال قبل ظهور شركات النفط.
يقول مصطفى: “بالنسبة للحكومة، النفط نعمة ومصدر أموال، لكن بالنسبة لنا، الماء هو الحياة. للأسف، نحن مجرد كعكة تُقسم بين الحكومة وشركات النفط“.
يعود مصطفى من رحلته في الهور، مُلقيا نظرة على نقطة التفتيش العسكرية، ويقول: “الخطة واضحة، فصل المجتمعات المحلية عن الهور لاستغلال النفط بحرية“.
يتمدّد حقل الحلفاية –وهو أكبر مشروع تديره بتروتشاينا خارج الصين– على مساحة 288كيلومترا مربعا أي ما يعادل ثلاثة أضعاف باريس، ويضمّ مطارا داخليّا لنقل العاملين بين ميسان وبغداد والبصرة. بعد وصول الشركة بنحو عام، شُيِّدت ستّ محطات على ضفاف نهر دجلة تسحب يوميّا نحو 60 ألف م³ من المياه العذبة، تُعالج ثم تُحقَن مباشرة في الآبار لرفع الضغط وزيادة الإنتاج.
ووثقت دراسة صادرة عن مركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد (1984–2015) فقدان العراق ثلث مسطّحاته المائية الدائمة، وانكماش أهواره التاريخية بـ86%، في حين ازدادت الرقعة المائية الدائمة في تركيا بـ25%. كذلك تراجع تدفّق شطّ العرب منذ السبعينات بفعل السدود التركية والإيرانية والسورية.
تدعي شركات النفط الأجنبية العاملة في العراق، أنها تبذل كل ما في وسعها للحد من الأثر البيئي لأنشطتها الاستخراجية. لكن بفضل مُبلغ عن مخالفات، تمكن فريق التحقيق من الحصول على وثيقة داخلية من تحالف الشركات الذي يدير حقل الزبير –الذي تمتلك إيني الإيطالية أكبر حصة منه بنسبة 32.81%- كشفت عن قلق تلك الشركات من شح المياه منذ عام 2014. تشير تلك الوثيقة إلى أن حقل الزبير بحاجة إلى كميات هائلة من المياه للحفاظ على ضغط البئر وتعظيم استخراج النفط.
مع تزايد إنتاج النفط في العراق يزداد الضغط على الموارد المائية ويجد القطاع النفطي نفسه أمام تحديات كبيرة لتأمين كميات كافية من المياه إذ تعتمد شركات النفط بشكل أساسي على المياه لاستمرار عمليات الضخ في الآبار، وهو ما قد يعوق توسع الإنتاج في المستقبل إذا لم تتمكن الحكومة من توفير مصادر جديدة للمياه، وغياب الحلول المستدامة قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج ويُفاقم أزمة المياه ويهدد استقرار القطاع النفطي كله.
يقول ماجد الساعدي، مدير زراعة ميسان، «لا نستطيع إيقاف الإنتاج النفطي، لكن يمكن تقليل الضرر لو التزمت الشركات». وتشير دراسة ميدانية قام بها ماجد الساعدي لم تنشر من قبل إلى أن بعض الحقول تُدخل مياه صرف ومياه تناضح عكسي (RO) بشاحنات خاصة، مما يخلّف تلوّثا إضافيّا للتربة والمياه.
ويوثق ملفٌّ سرّي أرسلته الدائرة إلى وزارة الزراعة في تشرين الثاني 2024 –وحصل فريق التحقيق على نسخة منه وينشر لأول مرة– مستويات مرتفعة من الهيدروكربونات والمعادن الثقيلة، وضررا بمحطات التحلية قرب الأهوار، ويوصي بحظر زراعة الأراضي المحيطة بالحقول وإنشاء محكمة بيئية.
وفي حين يواصل الناشطان مصطفى ومرتضى توثيق معدات الاستكشاف في عمق أهوار الحويزة، تؤكد صور الأقمار الصناعية التي حللتها “Placemarks“عام 2025 بدء أعمال الحفر في داخل منطقة محمية بموجب اتفاقية رامسار، حيث رُفعت لافتة هور الحويزة فوق موقع مرشح لأن يتحول إلى حقل نفطي جديد في المنطقة.
في 31 آذار 2025 قدّم النائب رائد حمدان المالكي طلبا إلى لجنة الثقافة والسياحة والآثار بشأن عقدٍ وُقِّع في 21 شباط 2023 بين شركة نفط ميسان و«جيوجيد بتروليوم» الصينية لتطوير حقلٍ تحت الأهوار؛ معتبِرا العقد خرقا للقوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية. أعقب ذلك احتجاجٌ سكّاني في أيار، إلا أن وزارات النفط والموارد المائية والبيئة لم تُجب حتى الآن عن استفسارات النواب أو الأسئلة التي أرسلها فريق التحقيق.
كانت مساحاتٌ مائيةٌ شاسعة تغطّي جنوب العراق من الناصرية حتى البصرة، تشكِّل نظاما واحدا يربط أهوار الحويزة والحمار والوسطى. يروي أنيس، جدُّ مصطفى، كيف كان يدفع قاربه بعصا «المردي» مسافةَ 200 كم إلى البصرة، وهو يحفظ الدروب المائية حتى إنه كان يستطيع الإبحار ليلا مُغْمض العينين «عشنا في مملكة واحدة، مملكة الماء»، يقول بصوتٍ واهن، في حين يزحف التوسّع النفطي اليوم على تلك الممرّات التي اختفت تقريبا.