نعمة المهدي
في ليلةٍ هادئة، كان القمر يسكب ضوءه الفضي على الطرقات، والنجوم تتلألأ كعيونٍ تراقب سرًّا مقدّسًا. هناك، التقت عيناي بعينيكِ للمرة الأولى. لم يكن لقاءً عابرًا، بل كان قَدَرًا يُكتب بخيوط العشق الأزلية. اقتربتُ منكِ وقلبي يرتجف كطائرٍ يواجه الريح، وقلتُ بصوتٍ متقطع: – “عيناكِ يا حبيبتي ليستا مجرد عيون… إنهما بحر أغرقني، ووطنٌ طالما بحثت عنه.” ابتسمتِ بخجلٍ، احمرّت وجنتاكِ، وهمستِ بصوتٍ يكاد يذوب حبًّا: – “أما أنا… فلم أعرف طعم الأمان إلا حين التقت عيناي بعينيك.” مددتُ يدي نحو يدكِ، فالتقت أصابعنا في أول عهدٍ بالحب، ومنذ تلك الليلة لم نفترق. سرنا تحت ضوء القمر، نتقاسم الحلم والرجاء، ونبني عالمًا لا يعرفه سوانا. مرت الأعوام، وتحولت اللحظة إلى عمرٍ كامل. خمسون سنة عشناها معًا… خمسون سنة كانت كقصيدة طويلة من الوفاء. كنا نتقاسم فيها الخبز البسيط، والضحكة الصافية، وحتى الدموع حين تثقل الأيام. كنتِ ابتسامتي حين أحزن، ودفئي حين يبرد العالم، وكنتُ لكِ سندًا وظلًا وأمانًا. كبرنا معًا، كما وعدنا، خطوةً بخطوة، وعمرًا بعمر. لكن القدر الذي جمعنا تحت القمر، شاء أن يفرّقنا تحت التراب. رحلتِ عني بعد نصف قرنٍ من الحب، رحلتِ إلى بارئكِ، وتركتني شيخًا وحيدًا يتجرع مرارة الفقد. أجلس اليوم في البيت الذي كان يمتلئ بضحكاتكِ، فلا أسمع إلا الصمت. أمرّ بجانب مقعدكِ الفارغ، فأمدّ يدي فلا أجد سوى الهواء. أنظر إلى صوركِ على الجدار، وأخاطبكِ كأنكِ تسمعينني: – “أما قلتِ إنكِ لن تتركيني؟ أما وعدتِ أن نكبر معًا حتى النهاية؟” أبكي، ولا يسمعني أحد. حتى الوسادة التي كانت تسند رأسكِ ما زالت تحتفظ برائحة عطركِ، والشال الملقى على الكرسي كأنه يرفض أن يغادركِ. الليل صار أطول بلا همساتكِ، والقمر صار أبرد بلا عينيكِ، والنهار خواءٌ بلا خطواتكِ. لقد أخذوكِ مني، لكنهم لم يأخذوا قلبي… فقلبي ما زال معكِ هناك. أعيش بجسدٍ أثقله العمر، لكن روحي رحلت معكِ. يراني الناس شيخًا صامتًا، لكنهم لا يعلمون أنني جنازة تمشي على قدمين، وأنني منذ رحيلك لم أذق طعم الحياة. هكذا أعيش يا حبيبتي… أتنفس ذكراكِ، وأتجرع لوعة الفقد مع كل صباحٍ ومساء. أكتب اسمكِ على الورق، أذكركِ في صلاتي، وأنتظر لقاءً آخر في عالمٍ لا يعرف الفراق. حتى ذلك الحين… سأبقى حيًّا بجسدٍ يتآكل، وقلبٍ لا يزال ينبض باسمكِ. وسأبقى عاشقًا، وحيدًا، يذوق مرارة الغياب حتى آخر أنفاسه.