د. توفيق رفيق آلتونچي
بسم الله الرحمن الرحيم
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (البقرة) – (141)
صدق الله العظيم
لنتفق منذ البداية على ان دولة العراق ودول المنطقة الأخرى من صنع ” الاستعمار” وان حدودها رسمها سايكس و بيكو وحدد نظامها وقسمها إداريا و كانت تتألف اولا من ولاية بغداد وفشل إضافة وإلحاق الأحواز وبقت ولاية البصرة ضمن التقسيم اما ولاية موصل فقد احتاج إلى تدخل دولي عصبة الأمم آنذاك، اليوم هيئة الأمم المتحدة، لان الحرب العالمية الأولى انتهت والجيش العثماني كان لا يزال في أطراف المدينة ومن ثم انسحب منها حيث دخلها الجيش البريطاني بعد توقيع الهدنة دون قتال عام 1918.
كان مولد الحكومة والبرلمان العراقي وجميع مؤسسات الدولة وحتى ملكه الحجازي بمبادرة بريطانية ولم يكن هناك إرادة عراقية انذاك ولكن سقوط الكيانً جاء بأيادي الجيش العراقي.الذي اسسه الانكليز من بقايا الجيش العثماني. التركيبة الفسيفساء للشعب العراقي كانت تعكسها المجلس الوطني العراقي ابان تأسيسها. لكن الخلافات بقت بين القوميات ومع انقلاب المصرين على الحكم الملكي وما سمى ب ثورة 23 يوليو 1952 وجد بعض القوميين من ضباط الجيش العراقي من المغامرين ضالتهم في محاكاة نموذج ما حصل في مصر عام ١٩٥٨ ولكن بصورة سيئة وذلك بقتل العائلة المالكة وليس كما فعل انقلابي مصر في إرسالهم إلى المنفى الاختياري.
المبدأ الأساسي في الحكم يبنى على أساس “أن الفاسدين لا يبنون وطنا” إلا ان الدفاع عن هذا الكيان الاستعماري الذي لم يتحول إلى وطن للجميع وبقت الوطنية العراقية تعاني منها ويعدم كل من يحاول المساس بالكيان او حدوده وباسم الوطنية. اليوم القاسم المشترك لشعب العراق بجميع قومياته وعقائده هو تلك الحدود والآمال المشتركة في الحياة والحوار الحضاري السلمي بين جميع ابناء الوطن الواحد. هذا الشعب الذي بقىً مقسما عرقيا وطائفيا وعشائريا ولحد اليوم.
كانت المس بيل حريصة عند بداية تأسيس المملكة إلى جلب العشائر العراقية الغربية وحتى بعض رجال الدين كي يشاركوا في المعترك السياسي وقدمت لهم الرشاوي والمنح المالية وهذا ما حصل كذلك عند احتلال دول التحالف العراق عام ٢٠٠٣. إذا اتفقنا على ما ذكر من حقائق تاريخية أعلاه نتمكن من الاستمرار.

كان مولد الحكومة والبرلمان العراقي وجميع مؤسسات الدولة وحتى ملكه الحجازي بمبادرة بريطانية ولم يكن هناك إرادة عراقية انذاك ولكن سقوط الكيانً جاء بأيادي الجيش العراقي.الذي اسسه الانكليز من بقايا الجيش العثماني. التركيبة الفسيفساء للشعب العراقي كانت تعكسها المجلس الوطني العراقي ابان تأسيسها. لكن الخلافات بقت بين القوميات ومع انقلاب المصرين على الحكم الملكي وما سمى ب ثورة 23 يوليو 1952 وجد بعض القوميين من ضباط الجيش العراقي من المغامرين ضالتهم في محاكاة نموذج ما حصل في مصر عام ١٩٥٨ ولكن بصورة سيئة وذلك بقتل العائلة المالكة وليس كما فعل انقلابي مصر في إرسالهم إلى المنفى الاختياري. لكن التجربة الجمهورية فشلت بعد مرور ثلاث سنوات ونيف وحاء مغامرون اخرون في انقلاب دموي آخر عام ١٩٦٣ وبفكر ناصري قومي وعفلقي سوري. استمر الانقلابات القومية وصولا إلى يوم سقوط النظام واحتلال العراق بعد حروب ونزاعات كانت نتيجتها المباشرة بلاء على الشعب العراقي والشعوب الجارة. الاحتلال جاء بخليط غير مجرب من السياسيين وكل له خيمة فكرية وطائفية وعشائرية وكل قومية أصبحت لها خلايا كما هي عليها ألجبنه السويسرية وفي كل حجرة جلس مجموعة من المستفيدين وطبعا المنافقين لا ريب ان الشعب العراقي الذي رفع صور الدكتاتور عاليا هم نفسهم ولم يتغير إلا الصورة المحمولة و اللافتات.
التوزيع القومي للعشائر العراقيةً
لا زلت اذكر قارئي العزيز الحقائق التاريخية واذا لم تتفق معي فمن الأفضل عدم الاستمرار في القراءة.
اللوحة السياسية بعد ٢٠٠٣ داخليا كانت تتألف من مجموعات دينية تهدف وعلى الأقل في أدبياتها الى بناء “دولة الحق” والقانون ولكنها طائفية وكل مجموعة لها عصابات مسلحة تفرض أردتها حتى بالقوة واستخدام العنف وما تسمى بالميليشيات من فصائل مسلحة وطبعا بتمويل خارجي لتتبع سياسة وأجندات خاصة منها داخلية واخرى خارجية. هذه العصابات أسست بقرار سياسي عاطفي. ترجمة لسياسة خارجية تاتي من القوى السياسية الحاكمة في دول الجوار وقد تتغير بتغير أنظمة تلك الدول كما حصل مع سوريا مثلا.
القوى الأساسية التي تتحكم بقرار المجاميع المسلحة هي بالدرجة الاولى ايران ، سوريا، دول الخليج ، تركيا وقوى دول التحالف وتأثيرات اخرى دينية وقومية اخرى. هذه اللوحة تغيب القرار الوطني العراقي وتولد فوضى فكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية في التكوين الفكري للشعب العراقي ويعم الفساد في اركان الدولة. لا تتغير بتغير الحكومات بعد كل انتخابات .

النظام العراقي اليوم يعتمد تماما على صراع يوم السقيفة اي الصراع التاريخي على السلطة ورغم وجود العديد من المجموعات الدينية سياسيا تعتمد الإمامية كأساس وعماد للحكم رجوعا إلى ارث الائمة الكرام وإنهائه بالإمام الغائب حيث نظام ولاية الفقيه.
كاننا اليوم امام دكاكين عديدة ولكنها تبيع نفس المواد بالألوان مختلفة ولا تؤمن باي نظام سياسي ديمقراطي يخالفه في عدم قبول القاعدة الفقهية المطلقة للسلطة اي بقاء السلطة في بيت النبي محمد صلى الله علية وسلم وال بيته و هناك تحديد واضح يعين اسماء هؤلاء الأئمة الكرام وصولا الى الإمام الثاني عشر، الغائب. جميع الصراعات اليوم تنبع من الفكر السلطوي الذي ذكرته وستبقى طويلا وكل شيء يقاس بذلك الفكر ويلغي وجود الاخر المختلف وصولا حتى إلى تكفيره.
نرى تركيب تقريبا مشابه في الإقليم وحسب الانتماءات الفكرية والعقائدية لشعب كوردستان ولكن من الناحية السياسية هناك اتفاق عام على أسس سقف البيت الكوردستاني وقبول الديمقراطية و التعددية وبدرجة اكبر وكحد ادني متفق عليه تحت قبة برلمان كوردستان ومن ناحية اخرى القوة العسكرية (البيشمركة) وهي قوات نظامية وتعتبر اليوم جزء من منظومة العسكرية للدفاع العراقية وما يسمى اليوم “قوات حرس الحدود ” فهي لم تتم تأسيسها بقرار شخصي او سياسي بل وجودها قرار وطني بإرادة شعبية
العقل السياسي العراقي خيالي وعاطفي تماما وتعتمد على الشفهية والمرويات التاريخية وثقافة البداوة وليس على العقل السياسي لعدم وجود اي تراث سياسي حديث خارج المخيال الديني المرتبط بالحكم منذ الخلافة الراشدة ومن ثم الأمويّة وصولا إلى العباسية الإمبراطورية والتي أصبحت ولحد اليوم نتيجة صراع “وقفة السقيفة ” التاريخية إلى واقع فكري انقسم إلى طائفتين تناضلان من اجل السلطة أساسيتين ؛ اهل السنة والجماعة التي تؤمن ب الشورى في الحكم وجماعة الإمامية التي ترى في ان تبقى السلطة منحصرة في بيت النبي صلى اله عليه وسلم وال بيته الكرام وتغير مفهوم الحكم عند العثمانيين الأتراك حيث تحولت إلى مفهوم سلطة عسكرية والقوة والشجاعة مع إبادة وقتل المعارضة حتى لو كانوا من الأخوة والأقرباء.
هنا نرى تركيب تقريبا مشابه في الإقليم وحسب الانتماءات الفكرية والعقائدية لشعب كوردستان ولكن من الناحية السياسية هناك اتفاق عام على أسس سقف البيت الكوردستاني وقبول الديمقراطية و التعددية وبدرجة اكبر وكحد ادني متفق عليه تحت قبة برلمان كوردستان ومن ناحية اخرى القوة العسكرية (البيشمركة) وهي قوات نظامية وتعتبر اليوم جزء من منظومة العسكرية للدفاع العراقية وما يسمى اليوم “قوات حرس الحدود ” فهي لم تتم تأسيسها بقرار شخصي او سياسي بل وجودها قرار وطني بإرادة شعبية ووجوده كقوة نضالية طوعية شاركت من اجل الدفاع عن حقوق ومن ثمة مكتسبات شعب كوردستان وكنتيجة لصراع مسلح مع الحكومات المركزية المتعاقبة منذ تأسيس الدولة العراقي.
تركيب الدولة الاتحادية وتقسيم والشراكة في السلطة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم حتى بعد مرور ٢٠ عاما مبهم وغير واضح المعالم وخاصة تفاصيل تخص بالدرجة الاولى حدود الإقليم والذي أدى إلى ظهور مشكلة الأراضي خارج الإقليم. اراضي الاقليم الحالية كانت تاريخيا معترفة بها من قبل جميع الحكومات العراقية وهي كما كانت معروفة بأسماء مدن أربيل ، سليمانية ، دهوكً والاستثناء كانت الحدود القديمة لالوية بعقوبة و كركوك وأجزاء من مدينة موصل وصولا إلى شنگال ( سنجار) تلك المدن تعرضت لسياسة التعريب وحرق الأراضي.
روح الدستور لم يصل إلى مستوى مناسب في الفكر السياسي لجميع الكيانات السياسية لحد الآن. ناهيك عن وجود اختلاف في ترجمة بنود الدستور إلى واقع وهذا واضح مثلا في تفسير المواد الدستورية ديناميكيا اي المرور الزمني والمكاني وعدم احترام صلاحية البنود حتى إذا لم تترجم إلى الواقع تبقى مادة دستورية لحين تغيرها بواسطة الإرادة الشعبية الوطنية وتحت قبة البرلمان وباتفاق الجميع. اي الدستور الدائم ويتبع بنودها لحين تغيرها باتفاق الجميع. إقليم كوردستان جاء نتيجة مباشرة لنضال سنوات طويلة ومرت بمحطات عديدة وبتسميات مختلفة اللامركزية، الحكم الذاتي، الفيدرالية والكونفدرالية.
اليوم هناك افكار وأصوات تنادي وتدعو إلى فصل كوردستان على الأقل اقتصاديا عن حكومة الاتحادية وهي بالطبع تعتبر خطوة أولى إلى الاستقلال لاحقا . قال تعالى في الذكر الحكيم:
“تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم”
اي ان الثروة الوطنية في الإقليم يبقى في الإقليم والبقية للأجزاء الاخرى من الدولة الاتحادية.
إذا كانت الشعوب لا تستطيع العيش المشترك وتحت سقف واحد وكل يريد بناء كيان مستقل فمن الأفضل ان يتحاوروا ويتوصلوا الى حلول توافقية في علاقتهم. جاءت أفكار تقرير المصير للشعوب كنتيجة ومع الحربين العالميتين ورسم خارطة الدول الوطنية. الفكرة تنسب إلى رئيس الولايات المتحدة الأمريكية وودرو ويلسون. واقر كمبدأ أساسي في القانون الدولي وفي ميثاق الأمم المتحدة حيث كان العراق من الأوائل بين الدول التي وقعت على “إعلان الأمم المتحدة” في عام 1943، والذي مهد الطريق لتأسيس المنظمة. هذا المبدأ يمنح الشعوب الحق في تحديد مصيرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي بحرية، دون تدخل من اي قوة خارجية.
السؤال اليوم بعد مرور عقدين من سقوط النظام واحتلال العراق لماذا رفضت الحكومة الاتحادية والسياسيون فكرة اجراء استطلاع للرأي (الريفراندوم ) وسؤال استفتاء شعب كوردستان حول الانفصال كوردستان ؟
اليوم يطالبون هم انفسهم ب فكرة “ما لكم لكم وما لنا ملك لنا” اي فصل الاقتصاد وتقسيم الثروة الوطنية بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم مناطقيا.
أترى سنسمع ونرى العجيب في ضل الانتخابات النيابية القادمة؟
الإشارات:
عباس العزاوي المحامي ، موسوعة عشائر العراق، القديمة – البدوية الحاضرة، الدار العربية للموسوعات، 2005, بيروت، لبنان. فصول من تاريخ العراق القريب، کتاب يبحث عن العراق في عهد الاحتلال البريطاني بين سنتي ۱۹١٤ و ۱۹۲۰، كتبته بالانكليزية المس بيل، نقله الى العربية وكتب حواشيه الاستاذ جعفر الخياط وكذلك كتاب العراق في رسائل المس بيل ، جعفر الخياط. مكتبة يوسف الرميض لنشر وترويج الكتب.
كتب الاستاذ الدكتورمؤيد الونداوي حول العراق:
الدولة المنسية: كردستان والكرد، بغداد 2021
(ثورة 14 تموز 1958 في ملفات الحكومة البريطانية): بغداد- 1990.
(العـراق في التقارير السنوية للسفارة البريطانية في بغـداد (1944 – 1958)): بغداد-1992.
العلاقات العراقية ــ البريطانية 1945 ــ 1958: بريطانيا 1989 (أطروحة دكتوراه).
(الاتحاد العربي بين العراق والأردن / كانون ثاني- تموز 1958: دراسة وثائقية بالاعتماد على وثائق الحكومة البريطانية): بيروت، 2013، اصدار المركز العربي لدراسة السياسات –الدوحة، قطر
(قوات الليفي العراقية 1915-1932): السليمانية/2006.
(العراق في التقارير السنوية للسفارة البريطانية في بغداد (1959-1973)، عمان 2019.
موسوعة إعلام الشخصيات السياسية العراقية في الوثائق البريطانية1935-1958: عمان 2012
موسوعة إعلام الشخصيات السياسية العراقية في الوثائق البريطانية1919-1920: عمان 2017.
حوّل اتفاقيةً سايكس بيكو” راجع ؛ وداد حماد مخلف حمادي، سايكس بيكو والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط خلال 100 عام
https://www.aljazeera.net/amp/blogs/2025/7/21/
اللوحة الفنية للرسام الإيطالي فاوستو زونارو (1854 – 1929)