شيخوخة

عماد الطيب 

” للشيخوخة روح خاصة ” .. نحن الراحلون الى نهاية العمر والاعوام ارقام .. هكذا اقولها .. ومما يزيد الأمر تعقيدا ان العالم بمنظماته الكبرى تصنف سن الشيخوخة بعمر الستين فما فوق وكأن الستين نهاية مطاف .. هذا التصنيف الظالم يثير كثير من التساؤلات . لكن الحقائق على الأرض تؤكد ذلك لاسيما بعد ان احلت على التقاعد في هذا العمر . جعلني افيق من حلم الشباب بعد تسلمي كتاب التقاعد .. لم استطع استيعاب الواقع ، حين انظر الى هوية التقاعد بحزن وانا اتسلمها من دائرة التقاعد التي اطلقت عليها ” مقبرة الاحياء ” . اردد في نفسي انها مجرد كابوس وسأستيقظ منه . رحيل شبابي اشبه برحلة مسافر الى وجهة ينتظرها . ولكن لم تكن تلك الرحلة في حساباتي حاليا .. ولكن أحاول ان اواسي نفسي بعبارات عن الامل لأقنع نفسي وأقول ان التقاعد ليس موتًا، بل تحررًا.. لقد تحررت من سباق الساعات، من ضجيج المكاتب، ومن روتينٍ كان يسرق مني لحظات التأمل. الآن، أنا سيد وقتي، ومالك لحكاياتي .  لكن في الوقت نفسه جعلني ذلك الشعور ان اشعر ان حياتي في ربعها الأخير ، وسنوات عمري تنسحب كالظلال في آخر النهار. أتساءل .. هل ستصبح خطواتي بطيئة، تتبعها الآم كظلٍ ثقيل، وترافقها الأمراض كما ترافق الغيوم الرمادية شمس الشتاء ؟ . حتى الأمنيات التي كنت أحملها وأنا في ربيع العمر، فقد تساقطت واحدةً تلو الأخرى، كما تتساقط أوراق الخريف من شجرة وحيدة في مهب الريح. أحلامي التي كانت تسبقني إلى الغد وكنت أعيش لأجلها تحاول الهجرة عني بلا عودة، لتتركني بين أطلال الوقت أتأمل ما تبقى. وحده قلمي واوراقي ما زالا يرقدون بجانبي، قلمي كشيخٍ صامت أنهكته الحكايات التي سكبها على الورق . رحلتي كانت مزيجًا من صعودٍ وهبوط، من فرحٍ عابر وحزنٍ مقيم، من محطاتٍ عبرتها مسرعًا وأخرى علقت فيها حتى ظننت أنني لن أبرحها أبدًا. رأيت وجوها كثيرة، منها من بقي بصمته في داخلي، ومنها من غاب كأنه لم يكن. شيخوختي أشبه بحبل مهترئ يربطني بالحياة، حبلٌ أنهكته الرياح وكسرت حدته العواصف، حتى صار يئن مع كل حركة، وكأن الزمن يعصره بين يديه. أشعر أنني أتأرجح عليه بين هاويتين: هاوية ماضٍ يبتلعني بحنينه ومراراته، وهاوية مستقبل لم يتبق منه سوى بضع أنفاس. كلما حاولت أن أستريح، أسمع في داخلي فرقعة خافتة، فأدرك أن خيطاً آخر انقطع، وأن النهاية تقترب صامتة مثل قطرة ماء تتساقط في بئرٍ عميقة. ومع كل ذلك، أتشبث به وكأنني أتشبث بالحلم الأخير، بالضحكة التي لم تأتِ، باللقاء الذي تأجل، وباليد التي ربما تمتد إليّ في اللحظة الأخيرة قبل أن يسقط كل شيء في العدم. في الشيخوخة، يقترب الوداع بخطواتٍ هادئة، كضيفٍ يعرف أن مكانه محجوز منذ زمن ، لا يطرق الباب بعنف، بل يجلس عند العتبة، يراقبك بعينين مطمئنتين، وكأنه يقول: لقد اقتربت لحظة السفر. تصبح الأيام أثقل، والذكريات أوضح من الحاضر نفسه، كأنك تعيش في مرآة مقلوبة؛ ترى فيها من كنت، أكثر مما ترى من أنت الآن. تتسلل الوحدة إلى قلبك برفق، وتغدو الوجوه التي تعرفها أقل، بينما تتكاثر صور من غابوا في زوايا الروح. وفي كل صباح، حين يفتح الضوء نافذتك، تدرك أن الشمس هذه المرة ليست دعوة للانطلاق، بل رسالة هادئة تقول: تبقّى لك القليل… فرتب حقائب قلبك.  اليوم، وأنا على عتبة السنين الأخيرة، لا أملك سوى ذكرياتي، وبعض الصور الباهتة التي يحفظها القلب لا الألبوم، وصوت داخلي يهمس: لقد عشت، حتى وإن تعثرت، حتى وإن خسرت. عشت بحبٍّ كبير، وهذا وحده كافٍ لأن أرحل وفي داخلي حياة. وتبقى الكتابة رفيقة لا تشيخ . قلمي الذي وصفته كشيخٍ صامت، هو في الحقيقة رفيقي الدائم ، يكتب لي المعجزات على الورق، ويمنحني الخلود في كل سطر. ويظل راقدا بجانبي حتى وان ودعت الحياة .

قد يعجبك ايضا