مهدي النفري
شاعر ومترجم
أمشي كالنهارات التي تمضي دون أن تترك ظلاً، كأنني أثر لا يجرؤ على البقاء، يدٌ تمر بجانبي ولا تلمسني، لا تفلح حتى في اقتناص صوت نباح كلب بعيد. اللغة تستمد صوتها من قبر قديم، قبر ظل يشاركني اللعبة منذ أن وطأت قدمي هذا الخراب. كل كلمة تُستخرج من تحت التراب، مغسولة بالحزن، ومشبعة برائحة الغياب. ليس غريبًا أن أكون زارعًا ماهرًا للخسارات؛ أعرف كيف أرويها، وكيف أتركها تنمو في صمت، وكيف أراقبها وهي تتفتح على هيئة وجوه لم تعد لي. أنا صورة أخرى لأرض سبخة، أرض لا تطلب شيئًا، تعشق الهامش، وتكره الضوء. أطوف في هذا العشب كمن يبحث عن شيء لم يُخلق بعد، أردد أغاني الماء وأصواتًا لم يمنحها الفقد سوى لحنها. كل نغمة تنزف، كل لحن يختبئ خلف جدار من الذكرى. أجلس أراقب الغيم يمر، كأنني أبحث عن وجه في السماء، عن قصيدة لم تُكتب، عن يد تمتدّ من الغياب، وتقول لي ها أنت رغم كل شيء ما زلت هنا.