نهاية بطل من ورق

د. ابراهيم احمد سمو

( إضاءة خافتة في زاوية المسرح… رجل في منتصف العمر يجلس على كرسيٍ خشبي، سيگارة مشتعلة في يده، يتحدث إلى نفسه.)

الرجل (بصوتٍ داخلي):

وقعتُ في الفخّ، دون أن أدرك…

سرتُ في درب التكبر، فوق سجادةٍ من أوهامٍ نسجتها لنفسي…

سلطنةٌ صنعتها بيدي، وهي لا تسمن ولا تغني من سلطان!

وفي داخلي، كنتُ أظنّ جبلًا لا يهتز…

ولدتُ وكبرتُ، وكلما مرّ العمر، كنتُ أزداد قناعة بأنني لا أُهزم.

كان من حولي يظنونني ملاكًا…

ومن اقترب مني، وعاشرني، عرف أنني لا أسمح له بالكلام إلّا إن سمحتُ…

كنتُ ألدغ كالأفعى السامّة…

أسكب السمّ القاتل ببرود، ثم أختفي، كأني لا أعرف شيئًا.

(ينهض من مكانه، ويمشي بخطوات بطيئة نحو جمهور غير مرئي)

كنتُ أحضر المجلس ، وأبدأ بالسؤال:

“ما الذي جرى؟ كيف حدث هذا؟”

ثم أذرف دمعة صغيرة… دمعة مصطنعة، على من فقدناه،

بل وأزيد: “اسمحوا لي أن أستأذن لزيارة أهله، لأُقبّل رؤوسهم…”

وأقول: “نحن في الخدمة… رقمنا عند الأطفال… والأخوة والجيران كلهم يعرفوننا…”

لكن… ذلك لم يكن إلّا مسرحية.

(يعود إلى الكرسي، يطفئ السيگارة، يشعل أخرى)

هذا هو طريق الجميع، هكذا كنتُ أقول لنفسي:

يمضي كلٌّ في طريقه، ثم يعود إلى غرفته، يشعل سيگارته، يطلب الشاي، وربما أشياء أخرى…

وكأنّ شيئًا لم يكن!

المفارقة؟

كنتُ أترك الباب مواربًا، قليلًا فقط،

لأُشعر من يمرّ من أمام غرفتي بما أفعل،

كأني أقول له: “انظر… أنا لا أكترث!”

(يتقدم نحو الجمهور بخطوتين، ثم يتراجع)

ووقع الرجل المسكين في الفخ…

مات الذي كنتُ أتمنى موته…

مات موتة الكلاب، مات بطعناتي، مات بطريقتي!

ضحكتُ…

ضحكتُ وأنا أراه يتلوى، ثم يبرد.

لكن… الذي رآني؟

كان ابن عمّ المرحوم.

فتح الباب، وقال لي:

“اضحك… ارقص!”

لم أستطع الإنكار، لكنني حاولت:

“لا تفهمني خطأ… أنا لا أقصد المرحوم…”

لكن دون جدوى.

(صوت إطلاق نار – يقف متصلّبًا)

رصاصتان، من يد ابن عمّه،

أنهتا حياتي…

وانتهت المسرحية…

بموت البطل الوهمي،

الشرير الذي ظنّ أنه لا يُهزم.

(إضاءة خفيفة على وجهه وهو جالس، يحدق في الفراغ)

الرجل (بهمس):

تتذكر يا وجه الظلّ؟

كنتَ تأتيني كل ليلة في المنام…

تهمس لي: “احذر، من يحفر القبور بيديه، غالبًا يسقط فيها.”

ضحكتُ…

واليوم، صرتَ مرآتي.

لم أكن هكذا دائمًا…

كنتُ مجرد صبيّ، يلعب عند النهر، يجمع الحصى،

لكنهم علّموني أن الطيبين يُسحقون،

وقالوا لي: “لا أحد يحترم الطيبين.”

ومنذها… قررت أن أكون مخيفًا.

(يتقدّم أكثر، يتحدث بغضب ثم يهدأ)

بدأتُ أجرّب الخداع…

كلمة هنا، شكوى هناك…

أوقع بينهم، حتى صاروا يرونني الملاك وسط الخراب.

ابتسم، وأطعن…

وصنعت لنفسي تاجًا من الأكاذيب،

وعرشًا من الثرثرة.

لكني نسيت…

أن السمّ يعود دومًا إلى فم صاحبه.

وأن الندم نارٌ بلا لهب.

(يعود إلى كرسيه، تملأه الذكريات)

المسكين…

ابن عمّه، كان أنظفنا قلبًا.

جاءني وقال: نحن عائلة واحدة، سامحني إن قصّرت…

وأنا؟

قلتُ له: بل أنا المقصّر…

وفي قلبي، كنت أحيك خيوط النهاية.

(صوت خارجي خافت: بكاء طفل)

ذاك الطفل…

هو ابن المرحوم…

ركض نحوي: “عمو، بابا نايم؟”

كدتُ أختنق…

أردتُ قول الحقيقة: بابا نايم… إلى الأبد، بسببي.

لكنني فقط ابتسمت.

(يتقدّم بخطوات مترددة)

نعم…

ارتاح منّي.

من قسوتي، من لعنتي، من ابتسامتي الزائفة.

كنت أظن أملك كل شيء،

والآن، لا أملك حتى نفسي.

(صوت فتح باب ببطء – ظلّ ابن عم المرحوم يظهر)

الرجل (مرعوب):

جئتَ لتأخذ حقي؟

لك الحق…

لكن اسمعني!

الصوت الخارجي:

تأخرت…

السمّ الذي سال من فمك… قتلنا جميعًا.

الرجل:

لا تقتلني!

أنا ميت منذ زمن…

لكن لم يدفنني أحد!

(صوت إطلاق نار – إضاءة حمراء – الرجل يسقط)

الراوي (صوت خارجي):

وهكذا…

سقط الجبل الذي لا يهتز…

انتهى السلطان في لحظة بلا عرش،

ومات الممثل…

ولم يُصفّق له أحد.

(إضاءة على سيگارة مشتعلة – ثم تُطفأ ببطء)

الستار يُسدل… صمت.

قد يعجبك ايضا